الدين والعلم والمعجزات


قامت الديانات في تفسيرها لأسرار الكون والحياة بدعوة الإنسان إلى التأمل في أمور الحياة والغيب وليس إلى التفكير الواعي في معطيات الحياة والواقع، وحثه على تخيل أسرار الكون وليس إلى التجربة العملية والبحث العلمي لاكتشاف قوانين الكون، والاستسلام لما بعد الحياة والعقل وليس إلى التمتع بالحياة والاعتماد على العقل، وتحذيره من الوقوع في الخطأ وليس إلى التعلم من الخطأ، وفي غمرة الاندفاع نحو التدين والفكر الغيبي، تم خلط بعض المعتقدات الدينية والأساطير الشعبية والحقائق العلمية بعضها ببعض، لا سيما أن الكثير من الأساطير كانت سائدة قبل ظهور الديانات، ما جعل تلك الأمور تشكل أسس لبعض الديانات. نتيجة لذلك، أصبح من الصعب، وأحياناً من المحظور، قيام العلم بالبحث عن الحقيقة خارج أطر الأساطير الشعبية والمفاهيم الغيبية التي تبنتها الديانات القديمة، ما جعل المعرفة الدينية والمعرفة العلمية تسيران في اتجاهين متباعدين غلب عليهما طابع التناقض والعداء وليس التوافق والوئام.
ومع تجذر المعتقد الديني في المجتمع، وقيام الفكر الديني بدور العنصر المنظم للثقافة الشعبية، أصبح من الصعب على المجتمع التقليدي أن يشهد حدوث تطور علمي وتكنولوجي يقوم على الحيادية بعيداً عن المعتقدات الدينية والمعجزات. وبذلك تسببت هيمنة الفكر الغيبي على المجتمع في تعطيل جهود العلماء والمفكرين والفلاسفة والمبدعين عامة، وتضييق هامش الحرية أمامهم وتكفيرهم بعضهم أحيانا؛ وهذا حال بدوره دون قيام هؤلاء بطرح أفكار خلاقة تقوم على منطق العلم وعلم المنطق، وتتحدى العقل الايماني الغيبي. كما أصبح من المتعذر على العلماء الغوص في أعماق بحار معرفية قد تقودهم إلى اكتشاف أسرار كونية أو حياتية تتناقض مع مقولات دينية ومفاهيم أسطورية راسخة في الوجدان. 
ولقد تسبب ذلك كله في تعثر مسيرة المعرفة العلمية في المجتمعات الدينية عامة، وتباطؤ وتيرة التطور الاقتصادي والتكنولوجي المؤسس على العلم والتجربة، وجمود الثقافة والهياكل الاجتماعية والسياسية، وكبت الحريات بوجه عام. ولهذا عاش المجتمع الزراعي في ظل هيمنة الفكر الديني نحو عشرة آلاف سنة من دون أن يشهد تطوراً يذكر في أي مجال من المجالات. لذلك لا توجد أقلية دينية متزمتة في أي مكان من العالم، في اي دين سماوي تتمتع بمستوى معيشي مرتفع أو تقدم علمي، أو لديها قدرة على التفاعل الخلاق مع العالم المحيط بها بعقلانية تعترف بحقوقهم وتحترم عقولهم وخياراتهم في الحياة. ويعود السبب في هذا الأمر إلى أن الدين عقيدة تعتبر من يختلف معها في الرأي والرؤية إما جاهلا لا يستحق الاحترام، أو ضالا يحتاج إلى هداية حتى يتجنب عذابات ما بعد الحياة. 
حين يبحث رجال الدين المسلمين في أمور العلم واستنتاجاته عما يدعم ما جاء في القرآن من أقوال وأحداث، فإن هؤلاء يُقرون، وإن كان ذلك بلا وعي، أن العلم هو المرجع للحكم على صحة ما جاء في القرآن الكريم، لكن إذا نظرنا إلى تبعات هذا الموقف فإننا سوف نكتشف أنهم يقولون، ومن دون وعي أيضا، أن ما يتعارض من المعجزات مع العلم لا بد وأن يكون غير صحيح، وأن الصحيح من المعجزات هو ما يتفق مع العلم واستنتاجاته، إضافة إلى ذلك، يلاحظ القارئ أنه حين يدعي رجل دين أنه عثر على بحث علمي يدعم ما جاء في القرآن الكريم من أقوال أو أحداث، فإن رجل الدين هذا لا يُذكر في كل الأحيان تقريبا مصدر المعلومة العلمية المعنية، ولا اسم العالم الذي اكتشفها، ولا الجهة التي رعت البحث العلمي وقامت بتمويله، كما لا يكشف لنا عن المجلة التي نشر فيها الخبر العظيم. وهذا يعني ببساطة أن المعلومة المعنية هي حكاية مفبركة هدفها تزييف وعي عامة المؤمنين، قام رجل الدين المعني بتلفيقها ما يجعل الحكاية برمتها عملية تضليل وكذب على القرآن الكريم والعلم معا.