الخسائر القياسية في صفوف القوات الأفغانية تدفع المجندين إلى ترك الجيش

هذا المحتوى من : أ ف ب

بعد أنّ فقد عدداً لا يحصى من رفاق السلاح في مواجهات مع مقاتلي طالبان المجهّزين بشكل أفضل وسرقة راتبه من قبل رؤسائه، طفح الكيل بالجندي الافغاني بيغ الذي يخطط لترك خدمته بالجيش. لكنه ليس الوحيد بين رفاقه الذي ينوي ذلك.
وتعرّضت قوات الأمن الأفغانية خلال الفترة الأخيرة لاستنزاف كبير. لكن الآن ومع تفوق طالبان في النزاع المستمر منذ 17 عاماً، يحذر الخبراء من خسائر لا يمكن تحملها.
ومنذ مطلع العام 2015 عندما تسلمت القوات المحلية مهامها الأمنية من القوات القتالية لحلف شمال الأطلسي بقيادة الولايات المتحدة، قُتل حوالى ثلاثين ألف جندي وشرطي أفغاني، كما أعلن الرئيس أشرف غني هذا الشهر.
وهو رقم أعلى بكثير مما تم الإقرار به من قبل، ويعني أنّ الخسائر التي تتكبدها القوات الأفغانية تبلغ 20 قتيلاً يومياً.
وحذّر المحلل العسكري عتيق الله أمرخيل من أنّه "اذا استمر معدل الضحايا على هذا الشكل، فسيأتي يوم لا نجد فيه أحداً مستعد للتجنيد".
وأدى ارتفاع معدل الضحايا المروع إلى هز الروح المعنوية المنخفضة بالفعل لمستويات قياسية، إذ يتساءل العديد من الجنود عن الوقت الذي سيأتي فيه دورهم للموت.
وفي الربع الثالث من العام الجاري، انخفض عدد الجنود والشرطة المنتشرين في أرجاء البلاد إلى 312 ألفاً و328 رجلاً أي أقل بنحو تسعة آلاف عن عددهم قبل عام واحد. وهو أدنى مستوى في أي فترة مماثلة منذ عام 2012 ، حسبما أفاد جهاز رقابي أميركي في أكتوبر (تشرين الأول).
وأفادت هيئة المفتش العام الأمريكي لإعادة إعمار أفغانستان (سيغار) نقلاً عن وزارة الدفاع الأمريكية أن أسباب التناقص تشمل الوفيات والجنود الذين حصلوا على إجازات وأولئك الذين يرفضون إعادة التجنيد.
ويعد بيغ أحد المجندين الذين يرفضون العودة لحمل السلاح. وقال الشاب البالغ من العمر 26 عاماً والمتمركز في ولاية جوزجان في شمال البلاد "كانت هناك أيام فقدت فيها خمسة إلى عشرة من رفاقي في القتال" ضد طالبان.
واستخدمت وكالة فرانس برس اسم عائلة الجندي فقط لحماية هويته كما هو الحال مع المصادر العسكرية الأخرى في هذا التقرير.
وتابع الرجل المكلوم "نجوت من حصار طالبان لوحدتنا مرتين. الله ساعدني على الهرب". وأضاف "لن أنضم (للجيش) مجدداً. سأذهب والتحق بقطاع العمل إذا ما بقيت على قيد الحياة".
وتظهر الأرقام التقديرية لعام 2015 مقتل خمسة ألف قتيل، تضاف إلى الحصيلة التي أعلنها الرئيس غني والتي تبلغ 28 ألفا 529 قتيلاً.
وأبقيت طي الكتمان حصيلة قتلى القوات الأفغانية منذ 2017 بطلب من كابول، لكن بعثة حلف شمال الأطلسي "الدعم الحازم" التي تقودها الولايات المتحدة أبلغت هيئة المفتش العام الأمريكي لإعادة إعمار أفغانستان مؤخراً أن حصيلة قتلى صيف 2018 كانت الأسوأ على الإطلاق.
ولا يشكل هذا الإعلان مفاجأة لضابط الشرطة عشيق الله الذي يخدم في ننغرهار بشرق البلاد التي تعد معقلا لتنظيم داعش وتشهد أيضاً تواجداً كبيراً لطالبان.
وقال عشيق الله البالغ 24 عاماً "كل يوم نشاهد رفاقنا يقتلون". وأضاف "ليس بحوزتنا معدات مناسبة ومعظم أصدقائنا يقتلون أو يغادرون الخدمة".
أدى تزايد عدد القتلى والجرحى في صفوف قوات الأمن إلى صعوبة في تجنيد عناصر للشرطة في بعض المناطق، حسبما أقرّ محمد داود رئيس قسم التعيين في وزارة الداخلية.
وقال مسؤول طلب عدم كشف هويته لفرانس برس إنّ مركزاً لتجنيد عناصر الشرطة في مقاطعة بلخ في شمال البلاد شهد انخفاضاً بنسبة 80 في المائة في عدد المجندين هذا العام.
لكن مركزاً في جلال أباد عاصمة ولاية ننغرهار قال إنّ عدد الأشخاص الذين يوّدون الالتحاق بقوات الأمن لا يزال مرتفعاً.
وقال المتحدث باسم وزارة الدفاع جاويد أحمد غفور إنّ عدد الاشخاص الذين طلبوا الالتحاق بالجيش "لم يتراجع على الاطلاق".
وقال الشاب فضل الله البالغ 24 عاماً إن حلمه دوماً كان "حماية بلدنا والدفاع عنها"، فيما كان يسجل اسمه في قائمة الملتحقين الجدد في ننغرهار.
وقال الشاب المتحمس "لا أنضم إلى قوة الشرطة للحصول على حياة مسالمة"، وتابع أفعل ذلك "للتضحية بنفسي من أجل بلدي".
ويقول آخرون إنه في بلد يعاني من تفشي البطالة، ليس لدى الشباب خيارات أخرى غير الالتحاق بالجيش إذا كانوا يريدون إعالة أسرهم.
وقال ساباي البالغ 27 عاماً وهو جندي في ننغرهار "التحقت بقوات الأمن (...) لتوفير الطعام ودخل لأسرتي".
أما سليمان (27 عاماً) وهو ضابط شرطة في مقاطعة فارياب بشمال غرب البلاد، فقد أوضح أنّه لم يتلق راتباً منذ ثلاثة أشهر وشكا من أنّ الدعم الجوي خلال هجمات طالبان "لم يكن فعالاً". وأضاف "لكن ليس لدينا أي خيار سوى الاستمرار في القتال".
وأعلنت هذه الأرقام المفزعة في وقت تكثف فيه طالبان هجماتها بشدة على القوات الأفغانية وتحقق انتصارات كبيرة في ميادين القتال وتحافظ على السيطرة أو التأثير على مساحات شاسعة خارج المدن الكبرى.
وتقول القوات الأفغانية والأمريكية إنّ المسلحين أيضاً يتكبدون خسائر فادحة. لكن الخسائر لا تبدو قد قضت على رغبة مقاتليها في مواصلة في القتال، حتى مع تضافر الجهود الدولية لإشراكهم في محادثات السلام.
وفي ولاية غزنة جنوب شرق البلاد، قال عناية الله وهو ضابط شرطة يبلغ 29 عاماً أصيب مرتين نتيجة الألغام الأرضية إنّ المسلحين "يهاجموننا كل ليلة".
وتابع إنّ "خدمتي في الشرطة ستنتهي في غضون أيام قليلة، ولن أعاود الانضمام (للشرطة) مرة أخرى".