السياسة ورجل الدين والنظرية المصلحية


عبر التاريخ لأغلب المجتمعات ان لم يكن جميعها كانت هناك رواية أو قصة سياسية يتعاطى أطرافها ثلاثة، الجمهور ورجل الدين ورجل السياسة، مجتمعاتنا ليست باستثناء، حيث فيها الجمهور وفيها رجل الدين وفيها أيضا رجل السياسة، وليس في ذلك أي عيب أو غرابة من حيث طبيعة وجود هذه المكونات ولكن الاشكالية الحقيقة بالعلاقات التي يمكن ان تنتج من تفاعلات هذه الأطراف الثلاثة مع بعضها البعض، عندما يكون الجمهور على درجة من الوعي، وعندما يكون السياسي على درجة من الصدق، وعندما يكون رجل الدين على درجة من الورع، فلا شك ان المجتمع يعرف محدداته ويقود نفسه بمحركات حرة وذاتية، إنما لو اختلطت الأدوار واختل التوازن وتداخل التحالف بين هذه المكونات فلا شك انها ستنتج مجتمعا ساكنا يتعالى فيه الضجيج ويقل فيه الحجيج، ان السياسة بطبيعتها تحمل جينات المصلحة، جينات المصلحة هذه اما ان تكون ذاتية أو عامة، كما يمكن ان تكون جينات عدائية خبيثة أم بنائية حميدة، في المجتمع السياسي «الراشد» تتغلب جينات المصلحة العامة على الخاصة، وتسيطر الجينات البنائية على العادئية، أما في المجتمعات العاطفية فالعكس تماما، عندما يتحالف السياسي والديني فان ذلك هو تحالف مصلحي بالدرجة الأولى يمكن ان ينتج مجتمعا اصلاحيا يستهدف المصلحة العامة وهذا وضع نادر، ولكن الأعم هو تحالف مصلحي خاص يستهدف استعباد الجمهور ليحوله كمستهلك لمنتجات ذلك التحالف الأساسية. 
المجتمع الذي يتداخل به دور السياسي بالديني لدرجة الافراط لا يمكن ان يفكر خارج اطار روابط خيالية لتغيير الماضي على حساب المستقبل، بينما في المجتمع المتوازن الذي يكون فيه الجمهور على درجة من الوعي والقوة لتحديد دور الرجلين باطار العقد السياسي حينها يكون ذلك المجتمع مجتمع دولة يفكر في مستقبله بواقعية.
ان الجامع بين أطراف مجتمع الدولة هو ما يطلق عليه بالنفع العام، أما مجتمع التحالفات والتداخلات الدينية والسياسية فهو لن يكون مجتمع نفع عام بل بالتأكيد مجتمع النفع الخاص الذي يتناوب على فوائده ثلة من رجال الدين والسياسة على حساب الجمهور المغلوب على أمره. 
حتى لا نكون بعيدا، ففي الكويت أراد المشرع أن يكون لدينا مجتمع نفع عام من خلال بسط قوة دستور لدولة مدنية تتوزع فيها السلطات الرسمية بانفصال وتعاون، وتتوازن فيها الأدوار بين مجتمعي المؤسسات الرسمية والمؤسسات المدنية، في هذه الدولة الدستورية المدنية قواعد أساسية لحقوق وواجبات مدنية وفردية تمكنهم لاقامة جمهور سياسي واجتماعي قوي جدا للمشاركة في صناعة سياسية الرشيدة بعيدا عن حديد رجل السياسة ووعيد ورجل الدين، من حيث واقعنا، فمن المؤسف بأن تحالف رجل الدين ورجل السياسة وتداخلهما مع بعضهما البعض صنع وحشا سياسيا ينهش بنهم في جسد الجمهور المغلوب على أمره. في الكويت يروِّج الكثير ممن عرفوا السياسة من أقصر طرقها لشعارات ومترادفات وأدوات طائفية لكي يبقوا متربعين على الكرسي الأخضر من دون حراك حقيقي يستفيد منه مجتمع النفع العام، هؤلاء كذابون الى النخاع، فهم بالنهار يروجون تلك البضاعة في الوسائل الاعلامية والدواوين والمجالس المغلقة، في حين أنهم يتعاطون سم الرشوة المالية والسياسية في مكاتب ومحافل الخداع والتنكيل، هؤلاء مضللون، يتمسحون بعباءة رجال الدين صباحا ويتعشون مع أهل العربدة على فتات موائد العطايا والهدايا، هؤلاء يتظاهرون صباحا برفع المظالم عن أناس همهم العلاج بالخارج أو انصاف في وظيفة أو سكن أو قرض أو تعليم أو عيش كريم، في حين أنهم هم من يدوسون في بطن المواطن حين يقبلون الأيادي الناعمة ويتلقون رسوم سكوت الشيطان الأخرس، هؤلاء يروجون الطائفية كي نتقاتل نحن الجمهور وهم للعطايا والهدايا يستحوذون، هؤلاء يجعلون للعدالة قصة وشعارا بينما تجدهم «صم بكم عميُ» عندما تصطدم مصالحهم الخاصة بمظلوميات الناس واحتياجاتهم. لقد أستطاع هؤلاء النجاح بتأصيل نظريتهم من أجل مصالحهم الخاصة، فمن يدفع الثمن غيرنا نحن الجمهور.
قد يقول احدهم من تقصد؟ هل نحن نعرفهم؟ هل نراهم؟ أين هم؟ مع من يتعاطون؟ وكيف يتآمرون؟ ما صفاتهم؟ كيف نكشفهم؟ هل من اجابة لننقذ بلداً!
الاجابة: «وَاذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَانْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ»