تحت سماء القسطنطينية


يتساءل مصطفى محمود، لماذا يفكِّر الإنسان في الكواكب والنجوم؟ لماذا يرتحل مهاجراً ليكتشف له مسكناً على بعد ملايين الأميال، وهو لم يكتشف بعد عشه الصغير.. الأرض؟.
أُدير إبرة المغناطيس شمالاً، مسافراً إلى بقعة متفردة في الزمان والمكان معلومة في مسقط الخريطة بأنها قارة صغرى وبأنها آسيا، اعتلي مهبط الجوديّ.. أطلُ من فوق السُحب على قمة الأناضول وفرمانٍ يحتوي ما يحتوي، وهناك تبدو أغبرة من القرون الغابرة، وحوافر جيادِ طروادة، وقصيدة أتبينُها تطفو على سطح إيجة؛ أتراها إلياذةً؟، من هذه السماء تنفرجُ الأرض عن بحر بوسفوريّ وباب عال وجمهورية للتُرك وأتاتورك، تعاكسني طائراً مع منخفضات الشمال الباردة ريحٌ من فوحِ التاريخ، وسلاطينٌ مسطرّة وأساطير، هذه البلاد التي أنتوي النزول بها، هي وصلة الشرق بالغرب وجسر العبور في كلا الاتجاهين، إنها تركيا ومن غير تركيا يهفُ قلبُ رحالةٍ عتيد، يغذُ إليها ميلاً، وتلطُفا.
اسطنبول مدينة الأسماء، ويافعة الدهر الرابطة في عقدِ «مرمرها» بحرين متضادين، أبيضاً وأسودا، هذه الفاصلة المكانية التي تنازل تحت أقدامها فرسان الحضارات، تمددت وتقهقرت كحدود البحر، تقلبت أحوالها واستمرت نابضة ولا تزل،»تأثر بزحامها فلوبير عندما جاء إليها، وكتب إحدى رسائله بأن القسطنطينية ستكون عاصمة العالم بعد قرن، وعندما انهارت الدولة العثمانية وزالت، تحققت عكس تلك النبوءة.»، ها أنا أجيئها مع الليل والشوارع تسيلُ بالحركة فوق الأرض، ترامات وسيارات أجرة، وحافلات، وقطارات تحت الأرض، أعبر جسر غلطة وأستشهق البوسفور، وروائح السمك، وصوت البواخر، وبخور الخلافة.