بين قصرين


كانت لزيارتي لقصر (شونبرون) الربيعي والصيفي لأسرة هابسبورغ الملكية بريقاً سحرياً.. وعبقٌ من بخور الزمن، جعلتني أنظر من خلال آلة الذاكرة البشرية لسويعات من التنزه والتنقل بين الغرف الفاخرة والممرات والأروقة المملوءة بريح العصور الوسطى بمنظارٍ يسكب القزحية على حياة الأباطرة ولهو الأمراء وبذخ الملكات، فمن متاهة الحدائق البيضاء التي تزيّن دهاليزها العشبية جنائن القصر، والتي عادة ما توضع هذه الزوايا والحواجز المشجرة في قصور الامبراطوريات كقصر كنسينغتون بلندن وڤيرساي بباريس للترفيه عن أطفال الملوك وللأنس والتمتع في الباحات الخلابة، ولجت بعدها لداخل القصر الذي يضم في بنائه 1441 غرفة سكنت في أجنحتها أحداثٌ، وأحداث، وترك أصحابها بصماتهم خالدة على الجدران وفي زوايا السقوف المذهبة والأثاث، فها أنا أدخل غرفة زوجة الامبراطور فرانسوا جوزيف الأميرة اليزابيث سايسي والتي كانت تعكف كل ليلة لكتابة شعرٍ وتدوين مذكرات وسط جدرانية مزينة بألوان وأشكال بعضها لا يخطر على بال وفنون من شتى البلاد منها ورق ممردٌ من حبات الأرز منسوجاً في الصين، وهذه قاعة الباليه التي اجتمعا فيها الرئيس الاميركي جون كينيدي والزعيم السوفيياتي نيكيتا خروتشوف في مطلع الستينيات بعد أحداث كوبا الكارثية، وفي قاعة أخرى أجد نفحات نابليون الذي استعمر القصر لأربعة سنوات وتزوج سليلة العائلة الملكية الهنغارية النمسوية، هنا أيضاً عزف موزارت موسيقاه في حضور ماري تيريز وقد صوّرت في هذه المساحة مشاهداً من فيلم «أماديوس»الذي يسرد سيرة حياة الموسيقار الخالد، وفي غرفة بمكتب عريض ولوحة حزينة وقّع آخر ملوك النمسا تشارلز الأول وثيقة تنازله عن العرش في أعقاب الهزيمة في الحرب العالمية الأولى لينهي بذلك حكم آل هابسبورغ بعد سيادة سبعة قرون، وبلا رجوع.
صندوق جواهر تركيا، لا ينفد، ولا ينفك يفشي الدهشة في أي مكان من وجهتي، هذا جامع وذاك مسجد، وهذا قصر وهناك قصور، الإستانة مملوءة حضارة، ومحمولة على كتف التاريخ، وكل حيز هنا قصة، اتجه إلى قصر دولمة بهجة الراقد على مضيق البوسفور، وهو القصر الذي لفظ فيه أتاتورك نفسه الأخير، وهو أيضا القصر الذي لفظت فيه الامبراطورية العثمانية نفسها الأخير، و نظراً لموقعه المتميز واطلالته الفريدة كان محلاً للعرش.. ودولمة بهجة تعني «الحدائق المردومة»، بعد أن أمر السلطان عبدالمجيد بتسوية أرض سبخاء على البوسفور وحشوها بالحدائق وبناء القصر الذي انتقل إليه الحكم بعد طوب قابي لمدة 70 عاماً قبل الانهيار العثماني، وعند بوابة القصر الفخمة وجدت نفسي أرتقي سلالم الخلفاء المنتصرين، وهو مكان كان يحتفى به في الخليفة الذي ينتصر في معركة أو يقوم بغزو جديد، وفي قلب القصر تشع العمارة الممزوجة بين الفن العثماني والطراز الاوروبي في البناء، وهذا دليل على تأثر السلطنة الاسلامية في أواخر أيامها بالعمران الغربي، لكن أهم ما يميز هذا القصر الباهر هو زخرانه بالمعادن الثمينة التي طوّعت لتكون لبناتٍ في البناء، فالأسقف هنا ذهباً والثريات من أجود الكريستالات والحجر الكريم، والأعمدة فضة، والسجاد نادرٌ وجميل، إنني أجول وأتمتع في قطعة من البذخ الامبراطورين الذي تعاقبت عليه السلاطين ورؤساء الجمهورية.