تونس والإرهاب


منذ مدة قصيرة كتبنا مقالا تناولنا من خلاله بالرصد والتحليل، تونس ما بعد الثورة ونجاحها في تجاوز الأزمات وارتفاع هامش الحرية والمشاركة السياسية، واليوم بدا شارع الحبيب بورقيبة القلب النابض لتونس العاصمة فارغاً من زواره ورواده، لا احد هناك سوى قوات الشرطة والدفاع المدني بمختلف مسمياتهم وأزيائهم، حالة تأهب يعرفها الشارع والأماكن المحيطة به، الكل متوجس والكل يتساءل من أين تأتي هذه الظلمة التي تكدر أفراح الديموقراطية؟ الكل يعلم أن تونس الخضراء تمر بتغيرات اقتصادية عميقة، لكنها من الناحية الاجتماعية فهي تعرف تطورات غير مسبوقة في عالمنا العربي من حيث حرية الرأي والتعبير، والمساواة ما بين الجنسين في تولي الوظائف العامة وحتى مؤخراً إقرار قانون المساواة في الارث بالرغم من التحفظات التي أبدتها باقي البلدان العربية .
ما وقع في تونس قريباً من اقدام سيدة في مقتبل العمر على تفجير نفسها عند دورية للشرطة التونسية مقابل المسرح البلدي في شارع الحبيب بورقيبة، وقد أظهرت مقاطع مصورة هوية منفذ الهجوم الارهابي وجثتها ملقاة على الارض وترتدي حجابا، في الوقت الذي أعلنت فيه قوات الشرطة التونسية القبض على شخص يشتبه في صلته بالتفجير الارهابي، وقد أسفر الحادث عن أصابه 15 شرطياً وخمسة مدنيين، وأغلب المصابين جروحهم طفيفة وخرج أغلبهم من المستشفى باستثناء ثلاثة رجال أمن حالتهم مستقرة لكن تحتاج بعض العناية، هذا التفجير الإرهابي وإن لم يفضي سوى لقتل منفذته فقط، فهو بالمقابل يلفت النظر إلى أن القصد من هذا التفجير هو ثني المواطنين عن ممارسة حياتهم وإحباط معنويات رجال الأمن، خصوصاً وأن الإرهاب لا يخفيه أكثر من الأفكار التقدمية والممارسة السياسية الديموقراطية والحياة المدنية بمختلف تجلياتها، لكن بالمقابل فهذه العملية الإرهابية وأن كانت منفردة ومعزولة وتمت بواسطة متفجرات بدائية الصنع، فإنها تدل على نجاح الجماعات الإرهابية في استقطاب النساء، فتنفيذ التفجير بواسطة فتاة يحتمل أن تكون مستقطبة عن طريق الانترنت دليل على قدرة الجماعات الارهابية في تحريك الخلايا النائمة لاستهداف الانتقال الديمقراطي ومحاولة توسيع حالة الانقسام السياسي، في حين تستعد البلاد نهاية العام لإجراء انتخابات.
ولكن المستخلص أن عمليات إرهابية في تونس لن تستهدف سوى ذكاء هذا الشعب، وزرع الرعب فيه والخوف لثنيه عن ممارسة حقوقه السياسية، التي يعتبرها للآسف التيار الإرهابي بدعاً لا تتماشى مع قول المريد.
عاشت تونس برجالها ونسائها عصية على أي انقسام.
والله من وراء القصد،،،