الشاعر أبو عبد الله روداكي


مؤسس الشعر الكلاسيكي الفارسي الطاجيكي أبو عبد الله جعفر بن محمد روداكي، كتب شعره باللغة الفارسية، ووضع أسساً لأنواع وأشكال الشعر الفارسي، وأعد أسساً لأوزان الشعر الفارسي، واشتهر منذ شبابه بصوته الجميل، ومواهبه الشعرية، ومهارته في العزف على الآلة الموسيقية «رودي».
ولد روداكي في أواسط القرن الـ9 الميلادي، بقرية بانج رود (بالقرب من بينجيكينت في طاجكستان اليوم) في أسرة من الفلاحين، ورغم أنه كان أعمى منذ الولادة كما ذكرت أسطورة العوفي الذي عاش في القرن الـ13 ميلادي، إلا أنه حصل على تعليم جيد، وعرف اللغة العربية والقرآن الكريم، وكان نجم روداكي ساطعاً في الشعر الخراساني الذي أحبه السامانيون لسنوات عديدة، ولقب بـ»عندليب خراسان»، ولأكثر من 40 عاما ترأس كوكبة من الشعراء في بلاط الحكام السامانيين ببخارى، وحاز على شهرة وثروة كبيرة.
وحياة روداكي لم تكن كلها في النعيم والسعادة، فالشاعر، خدم لأكثر من أربعين عاما في بلاط الحكام السامانييين، وفي سن الشيخوخة، تعرض للانهيار والطرد من البلاط، لأسباب مجهولة، يمكن الافتراض بأنها كانت بسبب مواقفه المتعاطفة مع احد المتمردين الشعبيين في بخارى، التي لعبت دوراً كبيراً في طرده من البلاط، وكانت تلك الشخصية المتمردة مرتبطة بحركة الكراماتيين التي بشرت بالمساواة بين البشر، وبعدها عاش روداكي لفترة قصيرة وتوفي في قريته عام 941م.
وتشير المصادر إلى أن روداكي كتب العديد من المؤلفات، ورغم تراثه الكبير لم يصل إلينا منه سوى نحو ألف بيت شعري، وتتميز أشعاره بالإنسانية الحقة، والتعبير العاطفي الفريد، وكانت كلماتها الرائعة منعطفاً غير متوقع في تصوير المزاج العام، وبقيت أشعاره بأعجوبة عبر قرون من الاضطرابات الاجتماعية العنيفة التي واجهتها المنطقة.
وبقيت قصيدته «ذنب الأم» (933م) بالكامل، وقصيدته التي تضمنت سيرته الذاتية «شكوى الشيخوخة»، بالإضافة لـ 40 رباعيا، والبقية أجزاء من شعر المديح، والعاطفة، والفلسفة والتعليم، ومن بينها مقتطفات من قصيدة «كليلة ودمنة» (ترجمت من اللغة العربية عام 932م)، وخمسة قصائد شعرية أخرى، إلى جانب مواضيع في الثناء والمفارقات التاريخية التي تضمنتها أشعار روداكي الذي آمن بقوة العقل البشري، ودعى للمعرفة والفضيلة، وكان تأثيرها قوياً على حياة البشر. وببساطة وفرت أدواته الشعرية، وسهولتها، وتصويرها الساطع، لمعاصريه إمكانية تمييز الأسلوب الخراساني، أو التركستاني عن غيره من الأساليب، واستمر هذا الأسلوب في الشعر حتى أواخر القرن الثاني عشر الميلادي.
وهناك أسطورة معروفة، وصفها نظامي في كتابه العروض السمرقندي «مجموعة من النوادر، أو أربعة أحاديث» شرح فيها طريقة سماع أشعار روداكي عن بخارى وأسلوبه في عرض «وطنية المدن»، وبدأ بأبيات ... من نقل رائحة المياه، موليان، وتغنت الأغنية بالأمير ومرافقيه، الذين كانوا في الطريق، ليترك كل شيء وراءه، ويعود إلى المدينة حيث مسقط رأسه: عن بخارى، أفرح وأسكن في القرون، الأمير إليكِ، بسعادة أخذ الطريق.
الأمير - سرو ، وبخارى - حديقة، السرو يعود مرة أخرى إلى حديقته الخاصة، الأمير – مدينة، وبخارى - السماء، المدينة تشرق في السماء.
ورافقت قصيدته «ذنب الأم» هدايا الأمير حاكم خراسان للحاكم المحلي لقاء المساعدات العسكرية التي قدمها لقمع التمرد، وتتألف القصيدة من جزئين مقدمة والهدف من المديح، وتبدأ بوصف عمليات الاستعداد للحرب، ومعاناة «أبناء الكرمة»، ولمثل هذه الخلفية دوافع ترتبط بأيام الأعياد الموسمية، النوروز في الربيع، ومهرغان في الخريف، وتشمل طقوسها تبجيل الآلهة الزراعية، وموت وإنبعاث الحياة في الطبيعة. وأعطى في الجزء التمهيدي صورة لوليمة في البلاط، وفي الجزء الرئيسي امتدح العديد من الفضائل التي هي من صفات الحاكم المثالي. وقارنها روداكي بالشخصيات التاريخية والأسطورية، مع قائمة من خلفيات المديح لشخصيات بارزة في تاريخ الدين الإسلامي، والحكماء اليونانيين، وأبطال الملاحم الإيرانية، وبعدها تضمنت قائمة من خلفيات الثناء على ما سيتمتع به خلفاء الحاكم من بعده.
واعتمدت قصيدة «الكهولة» على نفس الخط مقدمة والقسم الرئيسي، استعرض فيها الشاعر أسئلة وأجوبة اعتمدت على التفكير بعدم ثبات الحياة، ودارت الفكرة الأساسية حول شخص يخضع لنفس القوانين، كما هي الحال في عالم الموتى، وأن الحياة تعبر بسرعة، وتبقى الذكريات عن الشباب والحب، وفي الجزء الرئيسي، ذكريات من الماضي، يفخر روداكي بدوره كـ»شاعر للدولة» وبتأثيره في البلاط (مديح الذات): كم من القلوب شبهت بالحرير في الأشعار، وكانت قاسية، مثل الصخر والسندان.
وتتكرر الأبيات الأخيرة من القصيدة كطوق من الزخارف والخلفيات، وبعد قرن من انتشارها، كانت قصيدة «الكهولة» مصدراً لـ»أجوبة» شعرية عديدة كتبها بمختلف الأشكال، الشعراء قيسي، وميروازي، وأونسوري، وأزراكي، وسوزاني.
وإبداعات روداكي وضعت أساساً كاملاً للشعر الطاجيكي - الفارسي، وأعدت الأشكال الفنية الرئيسية لها؛ وتبلورت في قصائده جميع الأوزان الشعرية تقريباً وفق الأنظمة والأشكال المعروفة، لتصبح نموذجا تحتذي به الأجيال الصاعدة من الشعراء الطاجيك، واعترف به كمؤسس للشعر الكلاسيكي، الذي انتشر خلال القرون الممتدة من القرن الـ10 وحتى القرن الـ15 الميلادي، وبرز بين الطاجيك والفرس، شعراء لامعين أمثال: الفردوسي، والخيام، وسعدي، وغيرهم من كلاسيكيي الشعر الفارسي الذين بمحبة ذكروا روداكي، واعتبروه معلمهم.
وتتميز قصائد روداكي بالمهارة العالية، وتعكس الأفكار الإنسانية المتقدمة، وتعتبر أول الأشعار المكتوبة باللغة الفارسية وجذبت الانتباه للإنسان وقدمته في الأدب، ووضعته في صلب الاهتمام، وأعطى روداكي وصف الطبيعة والأفكار الفلسفية كلها من خلال رؤيته، للإنسان العادي «الذي يعيش على الأرض»، ويفكر بوضوح وبساطة، وأشعار روداكي، تغذت من عصير مواهب الحكمة الأبدية المستمدة من الحياة الشعبية، وانتشرت في العالم كله، وأصبحت من أبرز ظواهر الثقافة العالمية.