محطة سلوفاكية


وإني سنونو بفردوس المنافي مُسافر، ها هي تنقضي أيام الحقل النديّة وتلك الأرض المبسوطة إلى الأفق والمبذورة بالعشيب والجداول والكوخ الوحيد تحت ظل الغيم والسماءات البحرية، وذلك العجوز بائع الحليب الذي كانت مزرعته آهلةً بالخيرات وكان جاري، والأيام الحلوة لا بد أن تمضي مهرولة والمحطات السعيدة دائماً في الانتظار.
تودعني صاحبة الكوخ الشقراء متمنية لي رحلة سعيدة، وأنا أغالبُ صوت فيروز وهو يشدو خلال مذياعي وكلماتها تنثرُ شذاً وتقول، «كل ليلة بغنّي بمدينة، بأحمل صوتي وبمشي على طول»، وها أنا أحمل صوتها وأمشي على طول مكملاً بقية المشوار ورحلتي بين المدائن، أرتقي جبال تاترا التي تهبط بي في دولة أوروبية جديدة هي سلوفاكيا التي كانت يوماً شطراً لدولة أخرى فانقسم الكل وبقيت هي وبقيت تشيكيا في الضفة المواجهة من الأرض، تبرق في دربي بلدة جميلة إسمها «بشتني» أو «بستاني» باللغة السلوفاكية وقد وجدت أن لها من اسمها نصيب فهي بلدة بستانية بحق تطوقها الأشجار والحدائق والورود أينما استدرت، وهي أيضاً مقصداً صحياً يتداوى فيها طلّاب الطبيعة والعلاج، وقد اشتهرت خاصة بين أبناء الخليج في مطلع الثمانينيات ولا تزال بمصحاتها المتخصصة في أمراض العظام والمفاصل والسمنة، أقرر وقوفاً لليلة واحدة بالقرب من هذه المدينة وزيارتها واستكشافها حتى موعد الغروب، كان التمثال الذي يعدّ شعار المدينة والذي يظهر في كل أنحائها ومعرفاتها وصور البريد التذكارية للرجل الذي يمسك عكازاً ويقوم بكسره هو أول ما قابلني عند جسر»كراجينسكي».. الفولاذي الأبيض والذي يربط ضفتي المدينة متخطياً (نهر ڤاه)، وهي رمزية بأن قاصد هذه المدينة الأوروبية لن يحتاج عكازاً بعد زيارتها، يقف بالقرب مني عند التمثال قطاراً ترفيهياً كهربائياً يجوب المدينة وأهم أماكنها أستقله بتعريفة بسيطة، ليعبر بي معالم المدينة ومركزها الجميل الذي تستوطنه الكثير من المقاهي والمطاعم والكثير الكثير من المصطافين وزوار المدينة وقاصدي الشفاء، ومن القصور الفخمة التي تقوم على النهر هناك منتجع نابليون الذي بني في فترة حكم الامبراطور الفرنسي نابليون بونابرت ولا أعلم إن كان الاسم قد اتخذ لعلاقة به أم لا، وفي شارع الشتاء بقلب بشتني الأنيقة توّجت نهاية مطاف النهار بجلسة على المقاعد الخشبية التي تزيّن أطراف المكان بمعية كوب شايٍ أسود لكتابة هذه السطور وإرفاق هذه الصورة.