العالم الكبير ابن سينا « 3-5»


وفي أعقاب احتراق المكتبة وجهت أصابع الاتهام إليه فرحل عن بخارى إلى الري وهمذان، وفي تلك الأخيرة أسند إليه منصب شبيه برئيس الوزراء، ثم خدم الأمير علاء الدين في أصفهان، وكان يتعرض دائماً للدسائس، الأمر الذي عرضه للسجن الذي خرج منه بسبب عبقريته الطبية، حيث لجأ إليه الأمراء دائماً في الحالات المستعصية، وكان أشهر أطباء عصره ولم يتجاوز الثانية والعشرين من عمره، ولم تشغله مناصبه أو علاجه للناس أو الحكام عن دراسته أو مؤلفاته، والتي تخطت المئتي كتاب، فكان يكتب خمسين صفحة كل ليلة، حتى إنه عندما تفرغ لمؤلفه «الشفاء» كتبه في عشرين يوماً، مع ملاحظة أن الكتاب يقع في ثمانية عشر مجلداً، ويعد ثاني أشهر كتبه بعد «القانون في الطب»، ويعتبره بعضهم دائرة معارف قائمة بذاتها، حيث تناول فيه مسائل مختلفة في الرياضيات والطبيعة والمنطق وما وراء الطبيعة، وترجم الكتاب في روما عام 1926 إلى الإيطالية والألمانية.
واعتمد ابن سينا في منهجه العلمي على التجربة ولم يكتف بالنظر، وآمن بأن الفيلسوف يخطئ مثل الآخرين، ومن هذه الرؤية يرجع إليه الفضل في خدمات كثيرة قدمها في عدة علوم ووضعه بعضهم في مصاف أعلامها مثل: البيروني، وجابر بن حيان، وابن الهيثم على اختلاف توجهاتهم العلمية والحقول التي اشتهروا بها، وله اجتهادات في مسائل الزمان والمكان والحرارة والنور والصوت وقوانين الحركة والمعادن ووزنها النوعي وقوانين الإبصار، وله دراسة جيدة حول الموسيقى في كتاب «الشفاء»، وقاده نبوغه في الطب إلى العقاقير والأدوية فكان معنياً بالكيمياء وطرائق التقطير والترشيح والتشميع.. إلخ.
وكتب ابن سينا الكثير من المؤلفات الطبية، منها:
«الأدوية الطبية»، و»دفع المضار الكلية عن الأبدان الإنسانية»، و»القولنج»، و»رسالة في سياسة البدن»، و»رسالة في تشريح الأعضاء»، و»رسالة في الأغذية والأدوية»، و»أرجوزة في التشريح»، و»أرجوزة المجربات في الطب»، فضلاً عن كتابه الأشهر «القانون في الطب» والذي يقع في أربعة عشر مجلداً .
ويرجع الفضل لابن سينا في اكتشاف العديد من الأمراض، ويعتبر أول من تحدث عن «الإنكلستوما» وسماها في كتابه «القانون في الطب» بالديدان المعوية ووصفها بالتفصيل، وتحدث عن ديدان «الفلاريا» المسببة لمرض الفيل، ووصف الالتهاب السحائي، والسكتة الدماغية الناتجة عن زيادة الدم، وفرّق بين المغص المعوي والكلوي، وأدخل مسباراً معقماً إلى القناة الدمعية لعلاج العين، وأوصى بتغليف الحبوب قبل تناولها، وتحدث عن الأورام الليفية، كما شخص طرائق انتقال العدوى لبعض الأمراض المعدية مثل الجدري والحصبة وغيرها التي كانت تثير الذعر في ذلك الزمن، وذكر أنها تنتقل عن طريق بعض الكائنات الحية الدقيقة في الماء والهواء، وقال: «إن الماء يحتوي على حيوانات صغيرة جداً لا تُرى بالعين المجردة، وهي التي تسبب بعض الأمراض»، وذلك قبل اختراع المجهر في القرن الثامن عشر.
وأظهر أمير الأطباء براعة فائقة في الجراحة، فقد تكلم عن طرائق إيقاف النزيف، وحذر المعالجين من إصابة الشرايين والأعصاب عند التعامل مع الجروح، ودعا إلى ضرورة أن يكون الطبيب على معرفة تامة بالتشريح، وبإمكاننا أن ننبهر ونحن نقرأ له ما فصل فيه حول العظام والنبض: المستوى والمختلف والمركب، وفي تشريح الرأس وحديثه عن المخ: تركيبه ووظائفه وشكله من الداخل، ومن دراسات ابن سينا المتعدد المستويات والآفاق، بإمكان الشباب استحضاره وهو يتحدث عن تلك الليالي التي لم ينم فيها انكباباً على القراءة والتحصيل، حتى أحاط بالعلوم نظرياً، وظل طوال حياته التي استمرت لأكثر من نصف قرن بقليل منخرطاً في التجربة العلمية، وبإمكان من يهوى المقارنة أن يراجع أي كتاب عن الطب في أوروبا في تلك الفترة، ليدرك أن طرائق العلاج وأوضاع المستشفيات ونظرة الناس، وحتى الكتّاب والمثقفين إلى الطب هناك كانت تعتمد على السحر والشعوذة، وفي أحسن الأحوال أساليب العلاج الشعبية أو الرؤى النظرية للجسد وعلله غير الفعالة في العلاج، وبإمكان مقارنة أخرى أن تسأل بأسى: أين نحن من أمير الأطباء؟ وماذا نصدر الآن للآخرين؟ وكيف نتلمس مع ذلك الفرنسي المفتون جيلبرت سينويه الطريق إلى الشيخ الرئيس أو إلى بخارى وأصفهان أو الشرق أو الحضارة العربية الإسلامية؟ وقد عاش ابن سينا في زمن محن وتفتت، ومع ذلك أبدع وأنتج ووصل ذكره إلى «أبواب الاثنتين وسبعين أمة»، وهو وضع شبيه بما نعانيه اليوم، ولكن المحصلة النهائية تختلف بين أمس واليوم .
وأبو علي حسين بن عبد الله بن سينا، الفيلسوف، والطبيب، والعالم البارز، عاش في ما وراء النهر، وفارس، وكان طبيباً ووزيراً لدى العديد من الحكام، واشتهرت أطروحاته بشكل كبير في الشرق والغرب على حد سواء، وكتابه «القانون في الطب» كان بمثابة موسوعة شملت نظريات الطب القديمة، وجمعت خبرات الأطباء اليونان، والرومان، والهنود، في القرون الوسطى، وظل مرجعاً مهماً للأطباء في العالم طيلة قرون عدة.
وبعد وفاته بنحو مئة عام قام المتعصبون الدينيون في بغداد بإحراق كتب ابن سينا في الفلسفة، ولكن الذي حدث بعد اختراع آلة الطباعة في أوروبا أن طبعت كمية ضخمة من كتاب «القانون في الطب» بأجزائه الخمسة، مباشرة بعد طباعة الكتاب المقدس.
وابن سينا ولد في قرية أفشانا الصغيرة بالقرب من مدينة بخارى. وأشار في سيرة حياته إلى أن: «أبي من بلخ، انتقل منها إلى بخارى أيام حكم الساماني نوح بن منصور ليشتغل في ديوان الرسائل آنذاك. كما شغل إدارة مركز خارمايسان، القريب من مدينة بخارى، وهناك اختار زوجة له فتاة من أفشانا، القريبة من خارمايسان، اسمها سيتارا «نجمة»، وهناك ولدت أنا، ومن بعدي ولد أخي».

الحتميات
ثرثرة في الشارع
درب الزلق