لماذا يحقدون علينا؟


في أعقاب العمليات الإرهابية التي نفذها تنظيم القاعدة في مدينتي نيويورك وواشنطن في سبتمبر2001، رفع الرئيس الأميركي بوش شعار «لماذا يكرهوننا».
وإذا كان من الممكن تفهم أسباب طرح ذلك السؤال في حينه، إلا أن السؤال توقف عند حد التساؤل دون محاولة التعرف على أسباب الكراهية المفترضة، ودون مراجعة السياسات الشرق أوسطية التي قد تكون سببا للسخط العربي الذي ترجمته القاعدة إلى عمليات إرهابية، ودون تحديد مسؤولية السياسات والمواقف الأميركية عما حدث.
وفي الواقع كان رفع شعار «لماذا يكرهوننا» بداية خبيثة لشن حملة إعلامية ذكية ضد المسلمين عامة والعرب خاصة، تمهيدا لتنفيذ خطة عسكرية عدوانية ، للسيطرة على منابع البترول العربية، وتسخير إمداداتها أداة إستراتيجية تستخدمها أميركا متى تشاء للضغط على من تشاء من دول، وإحكام الهيمنة الأميركية - الإسرائيلية المشتركة على المنطقة العربية.
وعلى الرغم من فداحة العملية الإرهابية، إلا أن حقائق التاريخ والواقع تشير إلى حب العرب لأميركا، وإلى أن حبهم يدفع عشرات الآلاف منهم كل يوم للوقوف أمام السفارات الأميركية طلبا لتأشيرة للدراسة أو العلاج أو السياحة أو الهجرة أو غير ذلك، لكن العرب، ودون أدنى شك، يكرهون، ومن حقهم أن يكرهوا سياسات أميركا المعادية لحقوق الشعب الفلسطيني، والمنحازة انحيازا كاملا لإسرائيل.
إن أميركا التي رفعت شعار «لماذا يكرهوننا» لم ترفعه من منطلق البحث عن جذور«الكراهية» المفترضة، ولا في سياق البحث عن حلول للمشكلات المعلقة، وإنما من اجل تبرير الحرب على أفغانستان والعراق، وإعطاء إسرائيل ما قد تحتاجه من ذرائع إضافية لمواصلة أعمالها الإجرامية ضد الفلسطينيين، ودفع الدول الأوروبية إلى الانضواء تحت راية الهيمنة الأميركية.
ولما كان من الصعب تبرير العدوان الأميركي على العراق والقيام بتدمير اقتصاده وتفكيك النسيج الاجتماعي والسياسي لشعبه، وتبرير الجرائم الإنسانية التي ترتكبها إسرائيل في فلسطين، فإن شن حملة إعلامية عدوانية كان ضروريا لاختصار العربي في عيون الغربيين عامة من إنسان متحضر إلى حيوان متوحش.
لقد استهدفت الحملة الإعلامية الأميركية - الصهيونية المشتركة، أولا وقبل كل شيء، تدمير صورة العربي في المخيلة الإنسانية عامة والمخيلة الغربية خاصة ومخيلة الأميركي بشكل أخص، واختصار العربي من كونه إنسانا ذا مشاعر وله حقوق، إلى مجرد مخلوق بدائي يمارس الإرهاب كهواية، ويعتدي على الآخرين من منطلق الكراهية، ويعمل على تدمير نمط حياة الغرب من منطلق الغيرة والحسد، ويتصرف بوحشية أهل الغاب.
ولقد تبع ذلك تضييق الخناق على وسائل الإعلام التي توخت الاعتدال، واتهام كل من تجرأ على مناقشة قضايا الشرق الأوسط من منطلق أخلاقي أو إنساني أو حتى من منطلق الحفاظ على المصالح الأميركية، بالعداء للسامية، وطعن القوات الأميركية التي تحارب الإرهاب دفاعا عن الشعب الأميركي والمصالح الأميركية من الخلف.
ويبدو مدى النجاح الذي حققته الحملة الإعلامية واضحا حين نقرأ ردود الفعل الأوروبية والأميركية على الغزو الإسرائيلي للبنان، وعلى المجازر التي ترتكبها الدولة اليهودية ضد الأبرياء من الفلسطينيين واللبنانيين كل يوم.
إن موقف أميركا والعديد من الدول الأوروبية من الحرب في لبنان وغزة يظهر مدى عداء أميركا للعرب وحقدها عليهم، ومدى فقدان أوروبا «المتحضرة» لمشاعرها الإنسانية واستعدادها للتبعية لسياسة أميركية حمقاء وغير أخلاقية.
وعلى الرغم من نجاحاتها الباهرة، فإن الحملة الإعلامية لا تزال تزداد شراسة وحدة وكذبا وخبثا ودناءة يوما بعد يوم. وبينما أجد نفسي مضطرا لإدانة هذه الحملة بشدة، أجد لزاما علي أن أذكر بأن نجاحها ما كان من الممكن أن يتحقق، على الأقل بهذا القدر، لولا غياب العرب شبه الكلي عن ساحة الإعلام الغربية عامة والأميركية خاصة.
إن الموقف الأميركي الممعن في العداء لنا، والموقف الأوروبي الساكت على جرائم إسرائيل ضدنا يفرض علينا أن نتساءل «لماذا يحقدون علينا».
إن من غير الممكن البدء في فهم الموقف الأميركي الرافض لوقف إطلاق النار والتعاطف مع ضحايا المجازر الإسرائيلية، إلا من خلال طرح السؤال «لماذا يحقدون علينا» ورفعه شعارا لموقفنا من أميركا ومن محاولاتها المستميتة لتركيع الشعوب العربية بعد إتمام عملية تركيع غالبية الأنظمة العربية.
إن الموقف العربي الرسمي من جرائم إسرائيل في لبنان وفلسطين يكشف مدى الهيمنة الأميركية على غالبية صناع القرار السياسي في بلادنا، ومدى الرهبة التي غرستها الغطرسة الإسرائيلية في قلوبهم، بينما يكشف موقف الشارع العربي من الأحداث الدامية مدى اتساع فجوة الثقة بين الشعب وحكامه، ومدى رفض الجماهير العربية للهيمنة الأميركية والإملاءات الإسرائيلية.
وفي ضوء تواصل وتكثيف الحملة الإعلامية الكريهة ضد العرب والمسلمين، لا يمكن تفسير الموقف الأميركي إلا على أساس ما تختزنه أميركا من حقد على العرب، وكراهية مطلقة لكل ما هو عربي من مخلوقات وما هو إسلامي من أفكار ومعتقدات.
ويأتي هذا الحقد على الرغم من أن العديد من الدراسات العلمية أثبتت أن السياسة الأميركية الحالية تلحق الضرر بمصالح أميركا الاقتصادية ومصداقيتها الدولية ومكانتها الأخلاقية ونظام حكمها الديمقراطي. وهذا يعني أن أميركا، سياسة وسياسيين ونخبة إعلامية ومسيحيين صهاينة، تحقد على العرب حقدا كبيرا ، ويفرض علينا أن نتساءل «لماذا يحقدون علينا».
إن حقد أميركا الذي عبرت عنه من خلال عمليات التعذيب في أبوغريب وقتل الأبرياء في العراق ورفض السماح لمجلس الأمن باتخاذ قرار بوقف الحرب، لا يقل عن حقد إسرائيل الذي عبرت عنه في قتل أطفال كل ذنبهم اللعب على الشاطئ وارتكاب مجزرة قانا الأولى والثانية ومجزرة القاع وغيرها.
«لماذا يكرهوننا» هو السؤال الذي يتحدى كل المفكرين والمؤرخين والمثقفين العرب وغير العرب ممن لا يزالون يؤمنون بالإنسانية ويتحلون بالشجاعة العلمية كي يجيبوا عنه. الكراهية وإن كبرت، مصيرها كالنار تخبو، ومع الأيام تزول. والحقد وإن صغر، مصيره أن يغدو مع الأيام غولاً، ويلتهم كالنار كل الحقول.