نحت الطبقة الوسطى.. بمشرط فنان


في سياق الدستور الكويتي تكررت مفردة العدالة الاجتماعية ثلاث مرات، وذلك في منطوق المادة 20، حيث نصت في بدايتها على أن «الاقتصاد الوطني اساسه العدالة الاجتماعية، واتت المادة رقم 22 متراتبة مع سابقتها حيث نصت، «ينظم القانون، على أسس اقتصادية مع مراعاة العدالة الاجتماعية»، في حين نصت المادة رقم 24 على ان «العدالة الاجتماعية اساس الضرائب والتكاليف العامة»، ويذهب البعض على ان العدالة الاجتماعية تتحقق في إيجاد التوازن بين عنصري الانتاج وهما العامل والمالك، وذلك دون الاخلال بحقوق الاول وفي ذات الوقت توفير البيئة الملائمة للطرف الثاني كي يستطيع ان يحقق مصالحه المشروعة. ولكن، احسب ان المشرِّع حينما اورد ذلك المفهوم واسكنه في ثنايا مواد الدستور، انما كان يرمي الى تحقيق نموذج الديمقراطية الاجتماعية التي تقوم على أسس احترام الملكية ورأس المال، وفي ذات الوقت صيانة العيش الكريم للمواطن، وذلك في إطار مسؤولية الدولة لتحقيق نسق رشيد للاقتصاد الوطني تحقق فيه العدالة والتكافؤ بين أطراف الانتاج. 
هكذا تقوم قواعد الديمقراطية الكويتية كمثيلاتها في بعض الدول الإسكندنافية مع ملاحظة مستويات الفروق الاخرى العالقة في مسألة تداول السلطة.
ويأتي حرص المشرع على تعزيز العدالة الاجتماعية في الاقتصاد في سياق تاريخي، حيث انتقل المجتمع الكويتي من نموذج ثلاثية الطبقات (عليا، وسطى، دنيا) في عصر ما قبل الدستور الى نموذج ثنائية الطبقات (وسطى وعليا)، وهو الامر الذي يتماشى مع نمط الديمقراطية الاجتماعية، بيد ان جدلية الصراع والتنافس الذي غزت نخب التجار وبعض المتنفذين الى جانب صعود نخب ضغط «وأفراد الواجهات» أدى الى تمحور الجميع على جبهة سياسية نفعية ضيقة ضمن نموذج الاقتصاد الريعي المعتمد على الدخل النفطي الكبير ما افرز ظاهرتين متناقضتين في آن واحد، الظاهرة الاولى وهي حلبة الصراع التي تتبارى فيها الأطراف المتحاربة بشكلها التعددي الهش من حيث إنها تشهد تحولات تجاذب وتنافر بين تلك الأطراف التي تبدو احيانا كمتحالفين وأحيانا اخرى كمتخاصمين وفقا لتقلبات موازين اللعبة، اما الظاهرة الاخرى فهي تتجسد في اتفاق هذه الأطراف المتصارعة على نحت جسد الطبقة الوسطى بمشرط فنانيها الذين احترفوا مهنة الفساد السياسي.
الطبقة الوسطى هي دولاب الحراك الديمقراطي وتمثل روحها النشطة، ومن دونها تكون الديمقراطية مجرد صنم تسجد أمامه نخب المنافع على حساب مصلحة الشعب، لقد تعلم هؤلاء كيف تتحرك هذه الطبقة في عملية التغيير والتطوير عندما تحررت من قيود حاجات الحياة الاساسية لتفكر في تحقيق الذات التي تتمثل في روح المراقبة والتشريع المتطلعة للتطور الديمقراطي. 
الطبقة الوسطى هي عنوان الديمقراطية الحية التي تترجم مراحل التطور والتنمية عبر انفاسها المتصاعدة في بيئة صحية تنبع في جوانبها تكافؤ الفرص للمنافسة الخلاقة، وعلى ذلك اصبح النحت فيها بمشارط الجزارين الآتين على هيئات الفنانين المحترفين كي يقتلوا تلك الروح ويصنعوا بدلا منها نصف جسد صنم صامت يمثل هيمنة رأس المال الجبان على رأس الفكر الجسور. 
في الكويت، وحسبي اقول ذلك من واقع خبرتي في لغة الأرقام، حيث تنادى بعض ارباب المال الذين امتهنوا السياسية الى غاية الخصخصة بمعني «اللصلصة» كي يشغلوا حراك الطبقة الوسطى بجراح تضخيم الفساد تارة والتقتير المبرمج تارة اخرى، من اجل اقتطاع حيّز كبير من تلك الطبقة ليجعلوها في خانة الطبقة الدنيا اللاهثة خلف تدبير احتياجات الحياة بدلا من أن تنشغل في استحقاقات المنافسة السياسية، فاخترعوا التشريعات والنظم والاجراءات التي من شأنها تعطيل مسيرة التاريخ الطبيعي للتطور الديمقراطي حتى بلغوا مرحلة خصخصة الديمقراطية بعدما أخضعوها «للسلعنة» اي كبضاعة تباع وتشترى في سوق النخاسين بغية إرجاع عقارب الساعة لزمن معادلة السيد والعبد، والبحار والتجار التي كانت تسود في حقبة الفقر، هكذا كانت حقبتهم التي شهدت ازدهار قوتهم حينما طردوا الشعب من المشاركة السياسية في وقت كانت تسمح لهم بعزل الآخر عبر منطق التمييز والاستعلاء والعنصرية، ولكن ما لبثوا يعاودون ذلك بشكل جديد، حيث تكون المشاركة من جل الاغلبية الصامتة بشكل تشهق الانفاس نحو تتويجهم دون غيرهم على عروش الكراسي الخضراء.