قوة المؤمنين ووحدتهم في مواجهة التحديات


يقول تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ) (الأنفال/ 60)، القوّةُ إمكانيةٌ أعطاها الله تعالى للإنسان، الذي يمكن أن يترجمها قوّةً في الإرادة، والدفاع عن الدِّين، وفي مواجهة الأعداء، فهي كلُّ أشكال القوّة التي يمتلكها الإنسان المؤمن. المؤمنُ قويٌّ في إيمانه وطاعته، وقويٌّ في عمله الصالح، يُقيمُ دين الله على الأرض، ذكر أمير المؤمنين الإمام عليّ (عليه السلام) صفات المتقين في نهج البلاغة: «فمن علامة أحدهم، أنّك ترى له قوّةً في دين، وحزماً في لينٍ، وإيماناً في يقين»، فمن علامة المتقين القوّة في الدِّين، فالمؤمن لا يكون ضعيفاً في حجته ودليله وإيمانه، ولا يخجل بما يحمل، ويكون واثقاً بدين الله، فيواجه التحدّيات وهو مسلّحٌ بهذه التعاليم الإلهية العظيمة، يقول أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام): «القدرة تظهر محمود الخصال ومذمومها». فالقدرة التي أعطاك الله تعالى إيّاها يمكن أن تستخدمها للخصال الحسنة، كما يمكن أن تستخدمها للخصال السيِّئة. فأنت قويٌّ إذا حميتَ مظلوماً وهذا عملٌ حسن، وإذا دافعتَ عن الأرض بهذه القوّة فهذا عملٌ حسن، وإذا منعتَ الظالم من أن يعتدي فهذا عملٌ حسن، ، بينما إذا استخدمت هذه القوّة لتظلم مستضعفاً، أو تعتدي على فقيرٍ أو عاجزٍ أو محتاج، أو تعتدي على زوجك أو ولدك، فهذه قوّةٌ سلبيةٌ مذمومة، إذا استفدت من قدرتك في طاعة الله فستَسعد، وإذا استخدمتها في معصية الله تعالى فستَشقى، فكن حكيماً ولا تحوِّل نِعمة الله تعالى إلى نقمة.
 
تبرزُ قوّةُ المؤمن الحقيقي في دينه، فعن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ الله عزّوجلّ ليُبغِضُ المؤمن الضعيفَ الذي لا دين له. فقيل له: وما المؤمن الذي لا دين له؟ قال: الذي لا يَنهَى عن المُنكَرِ». أنت قويٌّ عندما تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فإن لم تفعل فأنت ضعيف، لأنّك ترى المنكر أمامك ولا تنكره بأحد خيارات الإنكار، ففي الحديث: «مَن رأى منك منكراً فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وهذا أضعفُ الإيمان». فالقوّة في الطاعة، يساعدكم عليها علوّ الدِّين الإسلامي، يقول تعالى: (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (آل عمران/ 139). علينا أن نستفيد من هذه القوّة، ولا نقع في الوهن، يقول تعالى: (وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ) (الحج/ 78). جاهدوا واعملوا بكلّ عزم، وضحوا في سبيل الله تعالى، وارفعوا راية الإسلام، ليجتبيكم ربّ العالمين. استخدم إيمانك بقوّة، واستخدم إمكاناتك وطاقاتك لمصلحة الإيمان. أعطاك الله تعالى ذكاءً فاستخدمه في طاعة الله تعالى، وأعطاك جسداً فاستخدمه في طاعة الله، وأعطاك قدرة على المحاورة والنقاش فاستخدمها في إقناع وجذب الناس إلى طاعة الله تعالى، وأعطاك وجهاً حسناً فاستخدمه ببشاشة لتنمية صِلاتك مع أقاربك وأصحابك. واعلم أنّ درجة المؤمن القوي أفضل من درجة المؤمن الضعيف، لأنّ المؤمن القوي يعطي أكثر، ففي الحديث الشريف: «المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبّ إلى الله عزّوجلّ من المؤمنِ الضعيفِ، وفي كلِّ خير»، فالمجاهد في سبيل الله الذي يقاتل الأعداء ويدافع عن الأرض ويحرّر الكرامة والعزّة أفضل ممّن يكتفي بصلاته وصيامه، وله الدرجات العليا عند الله تعالى. كما قال الإمام الرضا (عليه السلام): «التفريط مصيبة ذوي القدرة»، لأنّ استخدامها من دون توازن، وبشكل زائد عن الحدِّ المناسب، يترك آثاراً سلبية. إنّما تكون القوّة مؤثّرة عندما يضبط الإنسان نفسه، فيستخدمها في محلها وبالحدود المناسبة.
 
تعتبر الوحدة من أهمّ شروط إعداد القوّة، لذلك علينا أن نتمسّك بالوحدة، لأنّ الوحدة الإسلامية هي خيار الإسلام كلّه وخيار المسلمين كلّهم، فلا نعطي أيّ اهتمام أو مبالاة لكلّ الذين يصنعون الفتنة. فلنكن صفّاً واحداً كما أحبّنا تعالى أن نكون: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) (الصفّ/ 4). إنّ المؤمن القوي لا يسقط أمام ضغوطات الظالمين والمعتدين والمضلّين، مهما كانت أساليبهم وخطّطهم، ولا يستغلّ قوّته لممارسة البغي والعدوان على الآخرين، بل هو الإنسان المتحرِّك على قاعدة الخير والحقّ، يحمي الحياة من حوله من كلّ نزعات الشرور، من خلال الشعور النظيف الطاهر، والفكر الثابت المستقيم، والعقيدة الحقّة المتحرِّكة في خطّ هدى الله ورعايته، إنّنا نحتاج في كلّ وقت إلى الصحوة واليقظة في مشاعرنا وعقولنا وأفكارنا وسلوكياتنا، حتى نصحّح أوضاعنا بما ينسجم مع روح الإيمان بالله، وما يمثّله ذلك من التزام ومسؤولية وانفتاح.. فإذا كان المؤمن قوياً في دينه فهو مجاهد في سبيل الله، ويستخدم قوّته في محلها الصحيح، فلا يظلم ولا يعتدي، وهو صابرٌ يكظمُ الغيظ، ولا يعمل إلّا بما أمر الله تعالى به، ويتنازل برّاً وإحساناً، وما يشجّع المؤمن على اعتماد هذا السلوك الإيجابي، أنّ الأُمور تعود إلى الله العادل.