تغريبة

لعنة طيور «الدوري»


 عام 1958 اصدر الزعيم الصيني فرماناً بقتل طيور «الدوري» بأي وسيلة، لأنه اعتبرها خطراً على المحاصيل الزراعية، وتتلفها بحيث لا تعود صالحة للأكل، استجاب الصينيون لفرمان ماو واخذوا يقرعون الطبول او الاواني تحت الاشجار واحياناً بإطلاق النار عليها حتى لا تتمكن من بناء اعشاشهااو الحط على الاشجار والمزروعات فتموت من الاجهاد، الى هنا ويبدو ان الفرمان حكيم، لكن ماو الذي اصدر فرماناً آخر بمنع انجاب اكثر من طفل تحت طائلة العقوبات للحد من التكاثر . 
 
والمعروف ان سكان الصين (العملاق النائم) تعدى في ذلك الوقت المليار نسمة ويبلغ اليوم ملياراً ونصف المليار رغم الفرمان وإلا لكان عدد السكان ثلاثة مليارات نسمة. 
 
وكان الزعيم الصيني ماو يعتبر ان العصافير خطر على التنمية الزراعية، والمعروف حسب خبراء ان طير الدوري يلتهم الجراد، ولما انقرض هبت موجة جراد على الصين واكلت الاخضر واليابس وخلال ثلاث سنوات التهمت معظم المزروعات وتسببت في مجاعة يقال انها تسبب هذا لاحقاً بموت أكثر من 45 مليوناً من البشر، حيث ماتوا فى مجاعة حدثت بسبب سوء الإدارة الاقتصادية. 
هذه الكارثة البيئية سببها خطأ في لحظة «تخلي» لأن الزعيم الاوحد لا يخطئ ولا يجروء احد على معارضته والا فمصيره الاعدام، كما حدث لاحقاً في منتصف سبعينيات القرن الماضي، حيث اعدم آلاف الطلاب في ساحة تيانامان لأنهم عارضوا سياسة النظام الشيوعي الذي كان يقوده خلف ماو، وتكررت هذه الحادثة اواخر الثمانينات. 
 
لست هنا في معرض انتقاد الصين وسياساتها فهي واهلها ادرى بما تريد، وإلا لم تصل الى مركزها الحالي الذي يرعب اميركا ومعها اوروبا بعد ان اثبتت انها البديل الاقوى لغزو اسواق العالم الثالث، بقدر ما اود ان اشير الى ان معارضة قرار ما او سياسة نظام ما ليس بالضرورة الانقلاب عليه او محاولة الغائه، ولطالما اثبتت المعارضات التي تبقى في كنف الدولة انها جزء لا يتجزأ منها وانها ضرورية لها، والدليل ان العديد من الدول النامية تصنع معارضتها لتظل تحت سيطرتها ولكن كي يقال ان نظاماً ما يتفرد بالحكم. 
 
الحديث هنا ينحصر عن لبنان الذي يعيش حالة انتظار تشكيل الحكومة التي تأخرت عن الطهور وهذا امر عادي في لبنان سواء في الانتخابات النيابية او الرئاسية او حتى انتخابات البلديات، والسبب في ذلك ان البعض الذي شعر ان لديه فائض قوة يسمح له بإلغاء الآخر وغالباً ما تبوء هذه المحاولات بالفشل بسبب التعددية والتعايش المشترك والاعراف، ولقد دفع لبنان اكثر من 150 الف قتيل في الحرب الاهلية الالغائية ثم دخل في بازار الترضيات والاملاءات وغرق في ديون تكاد تتعدى الـ 100 مليار دولار صرفت على اعمار الحجر وليس البشر اضافة الى السرقات والتشبيحات والصفقات لدرجة ان اي مولود جديد سيكون مديناً لخدمة الدين بـ 25 الف دولار تتراكم سنة بعد سنة، لأن الطبقة الوسطى التي عادة ما تقود الحركات والحراك اختفت كلياً ولم تعد هناك سوى طبقة المليونيين وطبقة المعدمين اللاهثين وراء رغيف الخبز بينما يتمتع اللصوص بكل ما يسطون عليه. 
 
هنا اود ان اقول ان لعنة «الدوري» أصابت هذا البلد.. فقتلنا العصافير فاجتاحنا الجراد .