العبودية من وجهة نظر الإسلام


الرق في اللغة: العبودية، وسُمي العبيد رقيقاً، لأنّهم يرقون لمالكهم، ويذلون ويخضعون، والرقيق هو المملوك. وقيل: الرق في اللغة: الضعف ومنه رقة القلب، وهو نظام اجتماعي معروف بين الشعوب القديمة، واستمر قائماً حتى أُخريات القرن التاسع عشر، وكان يعتبر بين تلك الشعوب نظاماً مشروعاً تحميه قوانين الدولة، وعُرف أيضاً بأنّه حرمان الشخص من حريته الطبيعية، وصيرورته مُلكاً لغيره، وهذا ما كان مصطلحاً عليه عند الأمم القديمة، ولقد عرف الرق من قديم، وكانت الحرب بادئ الأمر عاملاً على نشأة الرق، وذلك أنّ القوي حينما كان يظهر بالضعيف يقتله، ولا يقبل بغير القتل بديلاً، وكان الناس في ذلك الوقت يعملون لأنفسهم فكان الرجال يقومون بالصيد والحروب وكان النساء والأبناء يقومون بغير ذلك من الأعمال، في حين قرر الإسلام أنّ الله عزّوجلّ خلق الإنسان كامل المسؤولية، وكلفه بالتكاليف الشرعية، ورتب عليها الثواب والعقاب على أساس من إرادته واختياره، ولا يملك أحد من البشر تقييد هذه الإرادة أو سلب ذلك الاختيار بغير حقّ، ومن اجترأ على ذلك فهو ظالم جائر، هذا مبدأ ظاهر من مبادئ الإسلام.
 
كما قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾، ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، وأحياناً يخاطب الإنسان بالعبودية ﴿يَا عِبَادِي﴾، ﴿إِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾. ربما يقال هنا بأنّ الله عزّوجلّ إذا خاطب الإنسان بعنوانه فهذا الخطاب فيه تكريمٌ للإنسان؛ لأنّه يحسّس الإنسان بإنسانيته، يحسّس الإنسان بأنّ له شخصية مستقلة يخاطب بها، بخلاف إذا ما قال: يا عبادي؛ فإنّ في هذا الخطاب احتقاراً واستصغاراً للإنسان، لأنّه يخاطبه بما أنّه عبد، يخاطبه بما أنّه مملوك، بينما الخطاب الأوّل: «يا أيّها الإنسان، يا أيّها الناس» فيه إشعار بأنّ للإنسان شخصية مستقلة يخاطب بها، بخلاف إذا ما قال: «يا عبادي، يا عبدي»، فإنّ في هذا احتقار واستصغارا لشخصية الإنسان. ففي كلّ النداءات ومن ضمنها «يا عبادي، يا عبدي».. نداء يمثّل العبادة الحرة الخالية من القيود بين العبد والربّ وهو الخالق للإنسان وكرّمه كما في قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) (الإسراء/ 70).. فالعبودية بين الإنسان والإنسان هي تمثّل معنى الرق الحقيقي.
 
كما كانت دعوة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دعوة لحرّية الإنسان، والقضاء على عبودية البشر للبشر، فقرر الحرّية الإنسانية وجعلها من دلائل تكريم الخالق للإنسان، وأولى اهتماماً خاصاً للعبيد، فضيّق (صلى الله عليه وآله وسلم) مصادر الاسترقاق ووسع منافذ التحرير، ورغّب الناس في تحرير العبيد، وأخبر أنّ مَن أعتق عبداً أعتق الله له بكلّ عضو عضواً من أعضائه من عذاب النار يوم القيامة. وإنّ العتق يُعَدّ مبدأ من مبادئ الإسلام، حيث كان في الإسلام مبدأ في مصلحة الرقيق، وذلك أنّ الواحد منهم كان يستطيع أن يشتري حرّيته بدفع قدر من المال، وقد كان للعبد أو الجارية الحقّ في أن يشتغل مستقلاً بالعمل الذي يريده.. وكذلك كان من البرّ والعادات المحمودة أن يوصي الإنسان قبل مماته بعتق بعض العبيد الذين يملكهم، بل رفع (صلى الله عليه وآله وسلم) من شأن العبيد حتى جعل سيِّدنا محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) العبدان والأحابيش سواسية وملوك قريش.
 
إنّ الحرّية حقّ أصيل للإنسان، ولا يسلب امرؤ هذا الحقّ إلّا لعارض نزل به، والإسلام - عندما قبل الرق في حدود - فهو قيّد على إنسان استغلّ حرّيته أسوأ استغلال.. فإذا سقط مثلاً أسيراً إثر حرب عدوان انهزم فيها، فإنّ إمساكه بمعروف مدة أسره تصرف سليم. ومع كلّ هذا فإنّ فرصة استعادة الحرّية لهذا وأمثاله في الإسلام كثيرة وواسعة. كما أنّ قواعد معاملة الرقيق في الإسلام تجمع بين العدالة والإحسان والرحمة. وهذا ما كان ومازال الإسلام يحمله في طياته لحفظ كرامة الإنسان التي هي غاية الإسلام أوّلاً وأخيراً.
عدد التعليقات ( 2 )
بوعبدالله
أحسنت مولا ما على هذا الموضوع المفيد والرائع
ام عماد
سلمت يدك المقالة رلئعة