إصلاح الثقافة.. وثقافة الإصلاح


تعتبر الثقافة اليوم من اكثر المواضيع اهمية وأولية في علاج العديد من القضايا التي ترتبط بالتنمية الوطنية وخفض حالات الفقر ومعدلات البطالة، ومحاربة التطرف، وبناء علاقات دولية على أسس من الاحترام المتبادل، ولقد ظهرت النظريات المختلفة لتفسير دور الثقافة في حياة المجتمع ومدى اهميتها في توجيه حركته منذ زمن بعيد، حيث قامت تلك النظريات بتحليل المكونات الثقافية وتحديد إمكانات تطورها وكيفية تطويرها لتلعب دوراً اكثر ايجابية في الحياة العامة للشعوب.
وفي ضوء تزايد عمليات الارهاب في أواخر القرن العشرين، وكون معظم مرتكبيها من المسلمين المؤمنين بصواب اعمالهم، فإن الغرب اتجه الى نقد الثقافة العربية والاسلامية واتهام المؤسسات الدينية التعليمية والخيرية بتشجيع التطرف، وخلق بيئة مناسبة لنمو التيارات الفكرية والسياسية التي تعادي الاخر وترفض التعايش معه بسلام، لهذا طرحت امريكا فكرة نشر الديمقراطية في العالمين العربي والاسلامي، وطرحت اوروبا فكرة حوار الثقافات كوسائل لتطوير الثقافة العربية والاسلامية لتصبح اكثر تقبلاً للتعايش مع الاخر وقدرة على تحقيق التقدم الاقتصادي والعلمي، والتطور السياسي والاجتماعي والثقافي، الا ان الطرح الغربي لكيفية تطوير الثقافة العربية والاسلامية جاء في ظل ظاهرة العولمة التي تعمل بشكل مباشر وغير مباشر على تفتيت الثقافات الوطنية وطمس معالمها التراثية، وصهرها في بوتقة ثقافية عالمية تضعف الهويات الوطنية للشعوب المختلفة. 
وفي المقابل، جاء الرد العربي والاسلامي ليرفض النقد الاميركي وليوجه للغرب عامة ولاميركا خاصة التهم بمحاولة التشكيك في عقلانية الثقافة العربية وصواب الدعوة الاسلامية، والعمل على طمس الهوية الوطنية للشعوب العربية والاسلامية وتفتيتها، في ضوء ذلك، اتجهت غالبية المثقفين العرب والمسلمين، خاصة المثقفين التقليديين الى المطالبة بحماية الثقافة العربية والاسلامية والدفاع عنها في وجه الحملة الغربية، والدعوة في الوقت ذاته الى رفض مشاريع الاصلاح الاقتصادية والسياسية التي دأبت الادارة الاميركية على الترويج لها والقيام بمحاولة فرضها على العديد من الدول العربية والاسلامية، وعلى الرغم من ان رفض المثقفين التقليديين العرب محاولات التدخل الغربية وجيه وله عدة مبررات، الا ان تبني مثل هذا الموقف بإسم حماية الدين والدفاع عن التراث ومقاومة الضغوط الاميركية يلتقي تماماً مع مواقف نظم الحكم العربية التي تحاول جاهدة الحفاظ على الامر الواقع والعمل دون كلل أو ملل على الحيلولة دون حدوث تغيرات سياسية وتطورات ثقافية وفكرية تضعف تلك النظم، وتعمل على تقويض هيمنتها المطلقة على حياة الناس والمجتمع.
إن التطرف الفكري والايديولوجي الذي يسود العديد من الدول العربية والاسلامية اليوم، وهو تطرف ترفضه غالبية المثقفين العرب، كان نتيجة طبيعية لغياب حركات الاصلاح السياسي والاقتصادي في الماضي، واهمال الثقافة ونظم التعليم طويلا، وتحالف المثقفين احياناً مع السلطة ضد الشعوب، واذا كان الاصلاح مطلوباً في الماضي، وان غيابه قد تسبب في تشجيع التطرف وتكريس التخلف بأشكاله المتعددة في الأرض والنفس العربية، فإن الاصلاح يعتبر اليوم اكثر الحاحاً من اي وقت مضى، ويعود السبب في ذلك إلى حالة التخبط التي يعاني منها العرب عامة في أعقاب فشل الربيع العربي في تحقيق أهدافه، وتحول حوالي ثلث الدول العربية إلى دول فاشلة، ولان الزمن يمضي بسرعة، فيما تزداد سعة الفجوة العلمية والتكنولوحية والاقتصادية التي تفصل العرب عن الغرب يوماً بعد يوم، ولما كانت ثقافة الحكم هي جزء من ثقافة الشعب، وان الموقف من العمل والانتاج والبجث العلمي هو الاخر جزء من نفس الثقافة، فان اصلاح الثقافة اصبح المدخل الحقيقي لاصلاح انظمة الحكم وتنمية الاقتصاد ومأسسة البحث العلمي والتطوير التكنولوجي، وإجتثاث جذور التطرف الديني وغير الدبني من حياة ومؤسسات المجتمع العربي .
تشكل الثقافة، بما في ذلك القيم والعادات والتقاليد والمواقف وطرق التفكير والعلاقات الاجتماعية، الاطار المجتمعي الاول الذي طوره الانسان وحاول من خلاله ربط أعضاء المجتمع بعضهم ببعض، والتعامل مع بيئته بعناصرها المختلفة، الطبيعية والاجتماعية والتكنولوجية. وفي الواقع ، تعتبر الثقافة القناة الوحيدة التي يتعامل العقل من خلالها مع الواقع، والوسيلة الاهم التي يستخدمها الواقع كي ينقل للعقل صورة حية لما يعيشه من مشاكل واوهام وطموحات. وهذا يعني انه ليس بالامكان معالجة اي قضية من قضايا المجتمع في معزل عن البيئة الثقافية، ودون المرور في قنواتها الرئيسية. 
كان التحدي الأهم الذي واجه الانسان الأول في حياته هو التعامل بكفاءة مع بيئته الطبيعية ذات المزاج المتقلب والعطاء المحدود، وفي ضوء ضعف ذلك الإنسان وبدائية أدواته التكنولوجية وإنعدام معارفه العلمية، فإنه وجد نفسه يتجه نحو التكيف مع أوضاع بيئته من خلال الترحال والتنقل المستمر بحثاً عن ثمار يقطفها وحيوانات يصطادها، والعيش في كهوف معتمة هرباً من تقلبات الطقس، وخوفاً على حياته من الحيوانات المفترسة وغزوات القبائل، لكن الانسان الأول، وحال بدء صراعه مع بيئته الطبيعية، اكتشف أنه كان عليه ان يتعامل أيضاً مع غيره من الناس بشكل يقلل مخاطر الاحتكاك بهم ويزيد متعة الانتماء اليهم، وهذا أدى الى ميلاد الثقافات وتبلورها ببطء على شكل عادات وتقاليد وأعراف وقيم وعلاقات اجتماعية وطرق تفكير أسهمت البيئة الطبيعية والجغرافيا وانماط الانتاج والتحديات الخارجية في تشكيلها وتحديد هويتها، ومع تأمين الغذاء واستقرار الحياة الاجتماعية في العصر الزراعي، اصبح بإمكان الانسان الزراعي توجيه جزء متزايد من وقته للتفكير والتأمل في الحياة والكون، ما قاده الى اكتشاف الديانات المختلفة وتطويرها، ولقد قامت تلك الديانات بتغيير بعض القيم والمعتقدات، ما جعلها تقوم باعادة تشكيل جانب هام من جوانب حياة الإنسان الزراعي الثقافية والاجتماعية، حيث اصبح الدين جوهر الثقافة وأهم مكوناتها، واساسا من اسس العلاقات الاجتماعية.
ان ارتباط الثقافة بالدين من ناحية، وقيام الديانات بدعوة الناس الى الايمان بعقائد راسخة لا تتغير من ناحية ثانية، جعل من الصعب تطوير الثقافات الشعبية دون المساس بالدين. ولقد ترتب على ذلك ان اصبح من المتعذر تطوير القيم الثقافية والعلاقات الاجتماعية دون تطوير القيم الدينية. وحيث ان غالبية المؤمنين من المسلمين تعتقد بان الدعوة لتطوير القيم الثقافية هي دعوة للمساس ببعض المبادئ الدينية، فان جمود الثقافة اصبح أمراً طبيعياً والتخلف الثقافي والاقتصادي والعلمي امراً واقعياً وجزءاً لا يتجزأ من الحياة الاجتماعية للمجتمعات المتدينة، وفي اعتقادي، لم تّعد الثقافة العربية السائدة اليوم صالحة للتعامل مع المعرفة العصرية بإيجابية، كما أنها ليست قادرة على السماح للعقل بالتواصل مع الواقع بحيادية وعلمية، ولا التفاعل مع الغير من الشعوب والامم والتعايش معهم على اساس تبادل المصالح، والقبول بحق الاختلاف في الرأي والفكر وحرية العبادة.
ان إصلاح الثقافة العربية يتطلب أولاً تبني ثقافة الاصلاح، اي القبول بان ثقافتنا العربية اصبحت بحاجة ماسة لاصلاح جذري ينقلها من حالة الجمود والتطرف الراهنة الى حالة تتصف بديمومة التطور والتحول. وهذا يعني ان بداية الاصلاح تبدأ بالاعتراف بالحاجة للاصلاح والانتقال من مستوى الذهن الى مستوى الواقع، ورسم استراتيجية للاصلاح تحدد الأهداف والوسائل والأدوات والخطوات الرئيسية على طريق الاصلاح، فهل باستطاعتنا إصلاح قيمنا الثقافية دون المساس بمبادئنا الدينية؟ سنحاول الاجابة على هذا السؤال في المقال المقبل.