الشيخ عبدالله النوري مفتي الكويت.. نذر حياته للوعظ والإرشاد الديني.. وسيظل منارة في المجتمع الإسلامي


التقيت المرحوم الشيخ عبدالله النوري عدة مرات في مكتبه الخاص في منزله بمنطقة القادسية.
وبعد عدة لقاءات مع المرحوم تطورت العلاقة حتى أصبحت أكثر من علاقة صحافي بمفتى الكويت فضيلة الشيخ عبدالله. وكانت اللقاءات تتوالى معه في مختلف المناسبات الدينية في شهر رمضان وموسم الحج، والمولد النبوي الشريف والإسراء والمعراج، لعرض وبحث العديد من الفتاوى وأسئلة القراء، حتى المناسبات الخاصة. وذات يوم دخلت عليه وهو على غير عادته الهادئة الطيبة، فقد كان يحدث سكرتيره الخاص بشدة غير مسبوقة وعندما شاهدت هذا الموقف، انسحبت وخرجت من مكتبه ليتسنى له إنهاء الموضوع وما إن عدت إلى الباب للخروج حتى طلب مني العودة والجلوس للمناقشة في الموضوع.
اعتذرت له ولكنه أصر على الجلوس وقال يا أخ أحمد الأخ السكرتير يعمل لدي سكرتيراً من فترة بعد الظهر، ومقابل ألا يدفع له الراتب الشهري يقوم بالسكن في الملحق الخارجي الخاص في البيت وطلبت منه أن يطبع ورقة يؤكد فيها أن عمله مقابل السكن مجانا، وإنني أخشى أن يتوفاني الله فيقوم أحدهم بمطالبته بمبالغ الإيجار خلال السنوات الماضية، وهو يصر على رفض كتابة هذا العقد. هنا تنفست الصعداء وقلت له أحمد الله أنك أنت فضيلة الشيخ عبدالله النوري ولا داعي لهذا النقاش لأن أولادك أطال الله عمرك وأبقاك ذخراً لهم لن يقوموا بهذا الفعل، وهذه قناعة الأخ السكرتير، فهم من أسرة خير وأسرة قمت بتربيتها على أصول الدين والخلق.
سيرته وحياته
هذا موقف من مواقف عديدة شهدتها على المرحوم الشيخ عبد الله النوري، المرحوم الشيخ من مواليد الزبير في العراق في 17 /5 /1905 وكان قد بدأ تعليمه في المدارس التركية عام 1914 في مدارس الاحتلال البريطاني في العراق وتخرج في دار المعلمين في بغداد 1922 ثم هاجر مع والده إلى الكويت واستوطنها في شهر إبريل عام 1923.
تربى الشيخ عبدالله في بداية حياته على يد جدته وكانت تحبه حباً جما لأنها لم ترزق طول حياتها إلا بالشيخ عبدالله فكان أول ذكر في ذريتها، علمه والده القراءة والكتابة منذ صغره فختم القرآن وهو في الثامنة من عمره واحتفل به والده لختمه القرآن لأنه كان في زمانه ختم القرآن مرحلة مهمة في حياة المسلم فاستقبل والده الأقارب والأصحاب للتهنئة، وكان استاذ الشيخ عبدالله هو الشيخ عبدالله بن خلف الدحيان وكان الشيخ النوري دائما يذكره «الشيخ عبدالله الخلف» بالخير إذ كان ورعاً وتقياً ومتواضعاً.
في عام 1961 اتجه الشيخ عبدالله النوري لمهنة المحاماة واستمر في ممارستها حتى عام 1977.
عمل في القضاء: فكان مساعد رئيس المحاكم وكان رئيس المحاكم في ذلك الوقت هو الشيخ عبدالله الجابر. وعمل في وزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية.
كما عمل مديراً للإذاعة عام 1953: وقد أدخل برامج جديدة على الإذاعة تناسب الوقت منها «الدين نصيحة» وبرنامج «طبيبك معك» وبرنامج «أطفال» وبرامج أخرى وكان يتولى هذه البرامج بنفسه وعمل إماما لمسجد اليعقوب «الخالد» ومسجد دسمان.
وقد نشرت هذا اللقاء بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك يوم الأربعاء 5 رمضان 1395 الموافق 10 /9 /1975 وجرى الحوار في مكتبه بالقادسية. 
وما يلفت النظر مكتبته الضخمة الموجودة في هذه الغرفة الخاصة لاحتوائها على مئات الكتب والمجلدات التي توحي لناظرها بقيمة مواردها العلمية في تغذية الروح والعقل لينشر نور العلم من حوله ويستطلع كل جديد في مؤلفات علوم الدين الحديثة وما كتب السابقون في ذلك.
وعلى مكتبه العديد من الرسائل البريدية التي قد وصلت إليه مؤخراً يستفسر فيها أصحابها عن شؤونهم الدينية والدنيوية المتعددة ليقوم بالإجابة عنها وتحليلها وتوضيح معالم الطريق أمامهم.
قابلني كعادته بابتسامته المرحة ورحب بي ترحيبه الحار المعروف وبدأت الحوار.
مشكلة رؤية هلال رمضان لماذا لم يتوصل المسلمون لحلها بعد رغم العديد من الاجتماعات بين وزراء الأوقاف لتوحيد يوم الصيام ولماذا يكون الشهر في الكويت أقل في عدد الأيام من غيرها؟
■ في الحقيقة مشكلة رؤية هلال رمضان هي مشكلة المشاكل وكان الأولى بالمسلمين أن يجتمعوا على توحيد الهلال فقد ثبت عند أهل الحديث ومنهم الحنابلة أنه إذا رؤي الهلال في قطر من الأقطار الإسلامية لزم توحيد يوم الصوم ويوم الفطر في جميع الأقطار الإسلامية وأذكر أنه عقد عدة مؤتمرات لتوحيد رؤية هلال رمضان ولكن كلها كانت تنتهي بلا شيء، وإنني شخصياً لا أدري ما السبب في ذلك لأنني لم أحضر أحد هذه المؤتمرات.
لاشك أنك تعلم أن الشهر العربي 29 يوما كما قال رسول الله صلى عليه وسلم «الشهر تسع وعشرون فإن غم عليكم فأكملوا العدة».
السنة القمرية بلا شك 354 يوما ومعنى ذلك أن الشهر 29 يوماً وأقل من النصف لأنه في كل أحد عشر شهرا يكون ثلاثة وخمسين يوماً إذن فلا غرابة أن نرى رمضان منذ خمس سنوات أو أكثر من ذلك لا يتعدى التسعة والعشرين يوماً ومن الغريب جدا أن نسمع عن أقطار إسلامية ليست بعيدة عنا تصوم بعدنا بأيام وتفطر بعدنا كذلك بأيام ولا أدرى ما هو عذرهم؟ لقد اجتمعت ببعض علمائهم وسألتهم عن هذا التأخير فلم يجيبوا بكلمة غير قولهم في «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» علما بأن هذا الحديث لا يقصد به قطر دون آخر فالمسلمون في جميع الأقطار وحدة متماسكة لا تفرقها حدود فالمسلمون في المغرب كالمسلمين في المشرق يتبع بعضهم بعضاً لا سيما في العبادات.
ما صورة رمضان الأمس ورمضان اليوم في الكويت؟
■ رمضان شهر مبارك وصيامه ركن من أركان الإسلام الخمسة التي نعتز بها نحن المسلمين، فقد أخبرنا رسولنا الكريم صلوات الله عليه وسلامه أن أركان الإسلام خمس، وعد صيام رمضان رابعا لها، ولرمضان فينا ذكريات، وأعظم هذه الذكريات أن الله عز 
وجل بعث نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم هاديا للناس وأنزل عليه أول ما أنزل من القرآن في هذا الشهر وقال في محكم تنزيله (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه».
وعن بداية نشأته وتعليمه قال رحمه الله إن والده بدأ بتعليمه حروف الهجاء وهو في سن الرابعة ثم أتبعه بتعليمه القرآن الكريم فختمه وهو في الثامنة ثم التحق بالمدارس التركية حتى عام 1941 وعندما احتل الإنجليز البصرة دخل المدارس الأهلية حتى أكمل الابتدائية لمدة 4 سنوات ورشح في العام 1939 للهجرة – 1920 للالتحاق بدار المعلمين في بغداد حيث أكمل السنة الأولى ثم رافق والده الى الكويت، حيث عمل والده مدرسا للدين والنحو بناء على طلب من الشيخ عبدالله الخلف - رحمه الله -. 
وقال إنه عين مدرساً في المدرسة الأحمدية ثم في عام 1942 مدرسا متطوعا في المعهد الديني لمدة 3 سنوات بين عامي 1942 – 1945م. 
وقد أمضى الشيخ عبدالله النوري - رحمه الله - في التدريس بالمدارس الحكومية 12 عاما وعمل أيضا عملا إضافيا في التدريس وإمامة المسجد 8 سنوات.
وقد أطلقت الحكومة اسمه على إحدى مدارس البنين بوزارة التربية تقديرا وتكريما لجهوده الحميدة في ميدان التدريس والتعليم وتخليدا لأعماله الجليلة وأيضا هناك جمعية عبدالله النوري وهي جمعية خيرية مباركة لها الكثير من الإنجازات. 
وقال إنه كان خطيباً بليغاً وفصيحاً ومحدثا سلساً مؤثراً سمحاً يجيد الخطابة ما جعل أكثر الناس يحضرون خطبه، وضمّن كتابه «أحاديث» نظرته للإمامة خاصة خطبة الجمعة، لأنه من الأئمة الذين جددوا في الخطبة حيث رأى أن التقليد في الخطبة جمود، لأن أكثر الأئمة ينقلونها من المؤلفات القديمة المعتمدة. 
وبرع الشيخ عبدالله النوري في تأليف مجموعة من الكتب والمــــؤلفات وهي نتيجة عمله بالخطابة والكتــابة والإعداد الإذاعي والتلفزيوني والمؤتمرات فبدأ بمؤلفات الفتوى الشرعية وهي المجموعة التي أطلق عليها سلسلة «سألوني» وتضم خمسة كتب وتقع فيما يزيد على ألفين وستمئة صفحة وهي عبارة عن أسئلة الناس من داخل الكويت أو خارجها وإجابات الشيخ عبدالله النوري عليها، ومنها أيضا «سألوني» في العبادات و «سألوني» في المرأة، ومن مؤلفاته أحاديث الرشد والمحمديات والمعجزة الخالدة وكلها دروس وعبر دينية ثم كتب حكايات من الكويت، وخالدون في تاريخ الكويت وقصة التعليم في الكويت والأمثال الدارجة بالكويت وهو من جزأين وله أيضا إصدارات في التاريخ الشعبي للكويت، والعروة الوثقى، والبهائية سراب، وله كتاب مذكرات عن حياة المرحوم الشيخ أحمد الجابر ويعرض فيه ما قام به الشيخ أحمد الجابر من أعمال في حقبة حكمه المجيد من تاريخ الكويت، والكتب تعكس شخصية الشيخ الإمام عبدالله النوري المجدد في عصره. 
والشيخ عبدالله النوري - رحمه الله - بدأ بكتابة الشعر صغيرا يافعا، حيث إنه ألقى أول قصيدة له في تأبين المغفور له الشيخ علي السالم الصباح الذي وقع شهيدا في معركة الرقعي في شهر فبراير 1928 وكان عمر شيخنا 22 عاما وفي ذلك الوقت، دخلت الكويت عصر نهضة الأدب العربي فكان لنا شعراء أفذاذ من أمثال السـيد عبـدالله الرفاعي والمرحوم أحمد خالد المشاري والمرحوم عبدالعزيز الرشيد البداح وسبقهم شاعرنا الكبير فهد بورسلي وصقر الشبيب.

حكاية موهبة عالمية
الجهلة والسلطان
في «أمان الله»