من أرشيفي الصحافي

المرحوم الشيخ عبدالله الجابر الصباح.. تاريخ حافل في التعليم والبلدية والجمارك والأوقاف والمحاكم


تشرفت بلقاء المرحوم الشيخ عبدالله الجابر الصباح عدة مرات قبل أكثر من ثلاثين عاماً، وأحد هذه اللقاءات كان في شهر فبراير عام 1976 حيث نشرت له لقاءً مطولا صباح يوم 25 فبراير بمناسبة العيد الوطني الخامس عشر لدولة الكويت.
 
وأذكر في أول لقاء مع المرحوم سألني عن ديرتي فقلت له أنا من قطاع غزة في فلسطين، وحضرت إلى الكويت صغيرا عام 1960، حيث تم اختيار والدي للعمل في التدريس بالكويت خلال عام 1958، فقال هل زرت مدن فلسطين وقراها؟، فابتسمت قائلا: لا بالطبع لأنني حضرت إلى الكويت صغيرا في المرحلة الابتدائية، فقال لي: لقد زرت أنا يافا وحيفا واللد والرملة وغزة والقدس وأخذ يسرد لي عشرات المدن والقرى التي سمعتها منه.
 
وكان يتحدث بشيء من المرارة لما آلت إليه الأوضاع العربية عامة، والفلسطينية خاصة، وقد تناول اللقاء المناسبة الوطنية التي تحتفل بها الكويت في تلك الأيام، فقال رحمه الله: إن الاستقلال يؤخذ ولا يعطى، وهو يعنى الوفاء والأمن والاستقرار. وقال إن الكويت وقفت إلى جانب الدول العربية تساعدها وتساندها بالدعم المالي والمعنوي قبل الاستقلال وبعده، كما ان الحكومات الكويتية متتابعة عملت بكل إخلاص لبناء الكويت وازدهارها لهذا أطلق عليها عروس الخليج.
 
وأضاف إن هذا الاستقلال جاء نتيجة كفاح الآباء والأجداد في سبيل رفعة الوطن واستقلاله، ومن أجل أن يتمتع الأبناء بخيرات وطنهم وأرضهم.
 
وتحدث المرحوم الشيخ عبدالله الجابر الصباح عن ماضي الكويت وتاريخها فقال: إن الجميع يعلم أن الآباء والأجداد قد واجهوا الكثير من المتاعب والصعاب وتعرضوا للموت لطلب الرزق من خلال الغوص في أعماق البحار للحصول على اللؤلؤ ومع ذلك ظلوا متمسكين بأرضهم ووطنهم ومحافظين عليه، رغم تعرضهم للعديد من الغزوات والمعارك التي كانوا يتصدون لها ويستشهدون من أجلها ويدافعون عن أرضهم وشعبهم، متعاونين كأسرة واحدة في السراء والضراء، وما بناء أسوار الكويت إلا دليل على ذلك.
 
وعن حاضر الكويت قال الشيخ عبدالله الجابر إن الاستقلال متعة لا مثيل لها ورفاء ونعمة وافرة واستقرار، أرجو من الله أن يحافظ أبناء الكويت عليه لينعم جميع أبناء الشعب به، فلا صور للمقارنة بين فترتي الاحتلال والاستقلال، فالمؤسسات الوطنية تهدف إلى بناء الوطن وخدمة ورفاهية الشعب، وهو في حد ذاته عيد، فالأعياد الوطنية تكمن في الحرية والاستقلال وسيطرة الكويت على ثروتها النفطية بأكملها.
 
وتحدث المرحوم الشيخ عبدالله الجابر عن الديموقراطية في الكويت فقال: إن الديمقراطية في الكويت متكاملة من جميع النواحي، والأدلة والبراهين تثبت ذلك والكل يعلم علم اليقين بنوعية الديمقراطية الكويتية التي حرم منها العديد من الشعوب الأخرى.
 
وقد تمنى من الله العلي القدير أن تكون أيام الكويت أعيادا، وأن يعمل الجميع على الحفاظ على الوحدة الوطنية الكويتية، وأن يدافع الجميع عن هذا التلاحم الوطني الذي غرس قيم الآباء والأجداد في نفوسنا.
 
مشاركته في المعارك:
وقال الشيخ عبدالله الجابر، رحمه الله، إنه شارك في موقعة حمض عام 1919 وأصيب في تلك المعركة وعولج، وكذلك شارك في موقعة الرقعي عام 1928 وأصيب بساقه اليمنى، كما شارك في حرب الجهراء وكان قائداً عاماً فيها.
 
ترشيح مدرسين
وقال لي المرحوم الشيخ عبدالله الجابر وبإلحاح من أمير البلاد آنذاك الشيخ أحمد الجابر: أرسلت خطاباً بتاريخ 5 /9 /1936 إلى الحاج أمين الحسيني رئيس الهيئة العربية العليا لترشيح أربعة من المدرسين الفلسطينيين للعمل في المدرسة المباركية، وقد أوضحت فيها المؤهلات والكفاءات المطلوبة في هؤلاء المدرسين والمواد التى سيدرسونها والتي يجب أن تتماشى مع تطور التعليم في البلدان المجاورة للكويت والتي نهجت الطرق والأساليب الحديثة في التعليم.
 
ويواصل حديثه قائلا:
لم يمض شهر على الخطاب الذي أرسلته إلى الحاج أمين الحسيني، وإذا به قد رشح أربعة من الأساتذة، وبعث بالبرقية التالية طالباً من مجلس المعارف أن يرسل لهم تأشيرات تخولهم الحضور إلى الكويت.
 
وقد نصت البرقية على الآتي:
35 NR 68 لاسلكي مؤهلة (غير مستعجلة لتكون أقل تكلفة)
الأمير عبدالله الجابر الصباح - الكويت.
حكومة فلسطين تطلب موافقة المعتمد البريطاني لديكم على دخول الأساتذة ذو الكفل عبداللطيف وأحمد شهاب الدين وخميس نجم ومحمد المغربي - الكويت - الرجاء مراجعة المعتمد البريطاني ليبرق إلى حكومة فلسطين وتعرفنا أمين الحسيني.
 
وصول المدرسين الفلسطينيين
وقد وصلت بعثة المدرسين الفلسطينيين في 25 شعبان 1355 هـ الموافق 10 /11 /1936، وقد استبدل ذو الكفل بالاستاذ جابر حديد واستقبل المدرسون استقبالا حافلا، فقد غمر المواطنين شعور هائل في تلك الفترة بأهمية تطوير التعليم واتباع الأساليب الحديثة في تربية الناشئة وخاصة في بداية كساد أسواق اللؤلؤ وظهور اللؤلؤ الصناعي الياباني الذي بدأ يتسرب إلى أسواق الخليج بصفة سرية، بالإضافة إلى الديون التي تراكمت على الكثير من المواطنين من جراء «السلف» أي المبالغ التي يأخذونها من نواخذة الغوص وأصحاب السفن ليشروا بها مؤونة لأسرهم أثناء فترة غيابهم، التي قد تستغرق شهرين، وغالبا ما يرجع هؤلاء بخفي حنين بعد أن قاسوا المتاعب والمشاق، ومع كل هذه المعاناة تراكمت الديون فوق الديون وأصبح البعض منهم مهدداً بالاستيلاء على بيوتهم لقاء تسديد ديونهم، وأصبح لا مجال لهم ولأبنائهم إلا البحث عن مجال آخر للحصول على لقمة العيش. وما إن علم أبناء الشعب بمقدم أعضاء البعثة الفلسطينية حتى هرع العديد من الشباب والأهالي إلى ملاقاة البعثة في منطقة الجهراء، وكان في مقدمتهم المرحوم عبدالملك الصالح وعيسى الصالح ومساعد الصالح ومحمد البراك وخالد العدساني وحمد الصالح الحميضي وسعدون جاسم اليعقوب وأحمد السرحان وعبداللطيف الصالح العثمان رحمهم الله.
اللبنة الأولى:
ويضيف الشيخ، رحمه الله، إن المدرسين الأوائل وضعوا اللبنة الأولى في تطوير أساليب التعليم بإدخال المواد الحديثة؛ كالتاريخ والجغرافيا والهندسة ومادة الأحياء «العلوم» واللغة الإنجليزية والتربية البدنية والكشافة ومادة المدنية والأخلاق، وحققوا بالعمل الجاد وبالإخلاص خلق وعي لدى الناشئة من طلابهم بما غرسوه في نفوسهم من أهمية للجد والمثابرة على التحصيل العلمي وخلقوا طبقة مثقفة من طلابهم كان لها شرف العمل في مواكبة مسيرة تقدم الكويت ورقيها في تلك الحقبة التي كان يندر فيها وجود حملة الشهادات الجامعية.
ثم تولى المرحوم الشيخ عبدالله الجابر أول وزارة للتربية بعد الاستقلال في 17 /1 /1962 وحتى 6 /12 /1964 وأعيد تعيينه بالمنصب نفسه بعد وضع الدستور وإجراء انتخابات مجلس الأمة في 9 /5 /1964 كما عهدت إلى المرحوم مهام وزارة العدل بالنيابة بالإضافة إلى عمله كوزير للتربية في 9 /5 /1964 ثم عين وزيرا للتجارة والصناعة في 4 /12 /1965، وفي عام 1981 عين مستشارا خاصا لسمو الأمير الشيخ صباح السالم الصباح ومن بعده سمو الأمير الشيخ جابر الأحمد.
وكان المرحوم الشيخ عبدالله الجابر الصباح قد ولد عام 1898، ثم التحق وهو صغير ببعض المدارس التي كانت في الكويت في ذلك الوقت فتعلم القراءة والكتابة وشيئا من الفقه إلى جانب ما حفظ من القرآن الكريم، وقد درس المرحوم على يد ملا راشد ابن شرهان والشيخ عبدالوهاب الحيان.
افتتاح أول مدرسة للبنات:
كذلك فقد افتتحت في عهده أول مدرسة للبنات عام 1937 وافتتح في عهده المطبخ المركزي عام 1955 لتزويد طلبة المدارس بالتغذية يومياً. كما تم في عهده بناء «بيت الكويت» في القاهرة وقد افتتحه عام 1958 بحضور الرئيس جمال عبدالناصر ليكون سكناً للطلاب الكويتيين بالقاهرة وهو مقر سفارة الكويت بالقاهرة حاليا.
تقلد الشيخ عبدالله مناصب عديدة.. ولقدرته على العطاء تقلد أكثر من منصب في وقت واحد.. وفي كل موقع من المواقع التى أسندت إليه وأشرف عليها.. كان عطاؤه رائعاً ولم يتوقف عطاء الشيخ عبدالله في أية لحظة طوال تاريخه الحافل من أجل رفعة شأن الكويت.
الشيخ عبد الله الجابر الصباح في الأمم المتحدة
في عام 1969 زار الشيخ عبدالله الجابر الصباح نيويورك وقام بجولة في أروقة الامم المتحدة، وقد استقبله فيها مندوب الكويت الدائم في الأمم المتحدة السفير المرحوم بإذن الله تعالى مهلهل المضف، وقد أطلعه على أقسامها المختلفة وقد التقطت لهما هذه الصورة في قاعة مجلس الأمن.

حكاية موهبة عالمية
الجهلة والسلطان
في «أمان الله»