وجهة نظر

دستور تركيا الجديد «إيفيت»


انتقلت تركيا قبل أمس من النظام البرلماني إلى الرئاسي، بعدما تقدم مؤيدو التعديلات الدستورية بنسبة بسيطة على المعارضين للتعديلات، هذه النسبة البسيطة والبالغة 51.3 بالمئة هي التي سمحت لهذا الانتقال التاريخي والذي سمح بتعديل 18 مادة قي الدستور لتضع تركيا قطيعة مع النظام النيابي الذي سمح بأن تعيش الدولة مراحل عديدة من اللااستقرار والانقلابات العسكرية، حيث توجه ما يقارب 55 مليون ناخب للمشاركة بالاستفتاء في 81 محافظة و31 معبرا حدوديا، كما استبق الأتراك في الخارج تصويت مواطنيهم في الداخل بأيام للإدلاء بأصواتهم في الاستفتاء على التعديلات الدستورية، وذلك في 57 دولة، وبلغت نسبة إقبال الأتراك في الخارج نحو 48 بالمئة ويشكل تصويتهم عاملا مهما بالنظر الى العدد الكبير للأتراك المغتربين المسجلين بنحو ثلاثة ملايين ناخب، وسوف يسمح هذا التعديل الدستوري بتغيير طريقة الإدارة في الجمهورية التركية إلى نظام رئاسي تحصر فيه السلطة التنفيذية في يد رئيس الجمهورية المنتخب من الشعب، ويعتمد النظام كذلك على الفصل الشديد بين السلطات، في حين ينفرد الرئيس بالسلطة التنفيذية بشكل كامل لأنه لا يوجد مجلس وزراء في النظام الرئاسي كما هو كائن في النظام البرلماني أو في النظام نصف الرئاسي، ولا توجد قرارات تخرج عن إرادة غير إرادته، فعلى المستوى الوطني يناط بالرئيس حماية الدستور وتطبيق القوانين واقتراح مشروعات قوانين ودعوة البرلمان إلى عقد دورات استثنائية وتوجيه رسائل شفوية للبرلمان وتعيين كبار القضاة والوزراء وكبار الموظفين، أما على المستوى الدولي فرئيس الدولة هو المسؤول بصورة أساسية عن علاقات الدولة بالدول الأجنبية وهو الذي يعين السفراء والقناصل وهو الذي يستقبل الأجانب ويجري الاتصالات الرسمية بحكوماتهم، ولذلك قيل إن رئيس الدولة في الأنظمة الرئاسية يعتبر الدبلوماسي الأول.
 
لذلك أصبح من المهم جداً في الأنظمة الجمهورية التقيد دستوريا بالنظام الرئاسي، حيث يتولى الشعب انتخاب رئيس الجمهورية سواء عن طريق الاقتراع العام المباشر أو غير المباشر، ومن هنا تأتي مكانة وقوة رئيس الدولة الذي يتساوى فيها مع البرلمان في الشرعية الديمقراطية والشعبية، ولكن بالرغم من القاعدة الشعبية التي تستند إليها مشروعية اختيار رئيس الدولة إلا أن نجاحه في مهامه وصلاحياته يتوقف على قدرته في كسب المؤيدين وعلى أنصاره الحزبيين في البرلمان والسعي إلى تكوين أغلبية برلمانية تدعمه في سياساته وقراراته.
 
ولا يسعنا في هذا المقام إلا أن نهنئ الشعب التركي باختياراته الحرة، بالرغم من أن النتيجة كانت متوقعة لعدة أسباب، أهمها رغبة الأتراك في قطع الصلة مع العهد القديم خاصة جهة عدم الاستقرار السياسي الناتج عن هيمنة الجيش على مفاصل الدولة، وقمع الحقوق والحريات وبالرغم من نسبة المؤيدين للتعديلات الدستورية قليلة إلا أنها ضريبة الديمقراطية، وبالرغم من أن الغرب يسلط الضوء على هذه النقطة، إلا أنها عدالة الديمقراطية، فالرئيس الأميركي الذي يمثل أغنى الديمقراطيات قد نجح بنسبة مقاربة وسلفه كذلك.
 
لذلك فلا مناط من أن نهنئ الشعب التركي الذي صنع مصيره بيده وهنيئا للديمقراطية في بلد واكب تجارب تاريخية عديدة تؤهله ليجابه الغرب في الطموح والتحديات. والله ولي التوفيق.