علاقة الدين بالدولة


علاقة الدين بالدولة، قضية حساسة ومركزية، بدأ التداول حولها بظهور الأديان السماوية، والتي احدثت تحولاً جذريا في طبيعة الدين ووظيفته وغاياته، وشكل وعاءً جديداً من أهم مشاهده تحرير فكرة الألوهية عن الحاكم أو الملك من خلال إرجاع الحاكم الى حجمه الطبيعي، ما يعني البلوغ بصفة الألوهية الى مرتبة ومكانة عليا، وبالتالي استحالة أن يصل اليها البشر أو يبلغ مكانتها مهما بلغ.
 
بهذا المنطق والفهم الجديد أحدث ضبطا لصلة الفرد بالحاكم، وكذلك الإنسان وربه، ومن هنا أصبح الإنسان كائناً مستقلا وقابلا للاتصال بمن هو أعلى، من دون وسيط او حتى اعتراف بمن يدعي الألوهية، ومن هنا انطلقت قطيعة الأديان السماوية بالديانات الوضعية السابقة لها.
 
ظهور الأديان السماوية كانت المحرك الرئيس لإلغاء العبودية للحاكم أو السلطان، وايضاً نقطة تحول لمفهوم الدين من وسيلة لتقييد الناس واستعبادهم الى مصدر للقيم الأخلاقية.
 
وعندما نتحدث عن علاقة الدين بالدولة في الاسلام، يجب بداية أن نفرق بين الإسلام كدين وتاريخ المسلمين.
 
كان الرسول (صلى الله عليه وسلم) قائدا روحياً وسياسيا وعسكريا، جمع في يده مهام الهداية والرعاية وحاملا للرسالة، ومتلقيا للوحي، وهذه حالة استثنائية مرهونة بوجود النبي صلي الله عليه وسلم، وبعد الخلافة الراشدة، ولدت الدولة الملكية بمواصفات مختلفة بعيدة عن روح الإسلام.
 
الاسلام لم يتحدث عن نظام سياسي معين، والملاحظ أنه اهتم ببناء الفرد وترك للناس اختيار نوعية النظم وفِي هذا بلا شك احترام للعقل وحافز للاجتهاد.
 
وما حدث للمسيحية حين انتهت الى كنيسة ودولة وحسمت المعركة بينهما لصالح الدولة «فصل الدين عن الدولة»، وبلا شك أن في الإسلام الوضع مختلف، إذ لا توجد فيه سلطة أو مؤسسة دينية، لذلك يجب عدم الخلط بين الاجتماع المدني والعقيدة الدينية، معظم النزاعات التي عرفتها البلاد الإسلامية كانت حول السلطة، ومن أسبابها مبدأ تداول السلطة والمسؤولية في الذي تمكن فيه الآخرون من إيجاد حلول مقبولة لإدارة الدولة وأوصلتها في النهاية الى صيغة لإدارة الاختلاف سلمياً في ظل نظام ديمقراطي.