وجهة نظر

تفجير الكنائس


إن ما شهدته مصر صبيحة يوم الأحد، 9 أبريل 2017 من تفجيرين إرهابيين استهدفا كنيستين للأقباط في مدينتي طنطا والإسكندرية، ما هو إلا استمرار لتنامي خطاب الكراهية والعنصرية والطائفية والفئوية، وغياب لغة الحوار والنقاش والتفاهم، فالإرهاب الذي أصاب أناسا مؤمنين في كنائسهم، هو دليل على الجبن والغدر وأسلوب الطعن من الظهر، وتماشيا مع هذا الاسلوب فإيمان الارهاب بإلغاء الآخر وتصفيته جسدياً ليس بالأساس هو إعلاء لكلمة الله كما يدعون، بل لأنه يحقد على كل ما هو مختلف عنه، فينزوي في إطار طائفته الضيقة او جماعته، فيسترشد بأحكامها ويمارس طقوسها ويدمن عاداتها، حتى يصبح عنده كل ما يخالف ذلك هو حرام وخروج عن الدين والملة، فصدق في ظرف وجيز أنه يمثل صحيح الدين والنموذج السليم، فيقيم بناء على ذلك الاعتقاد كل اموره الحياتية والشخصية، ولكل شيء يفعلونه مبرر، وذلك التبرير يوجد سند له تفسيرات شيوخه وهذا ما اصطلح عليه علميا باسم الهوس العقائدي، وبالتالي أصبح اسلوب صناعة الارهاب والإرهابي سهل جداً، فكل من يفشل في تدبير شؤونه الدنيوية، يصبح في ظرف قياسي إرهابياً، فالإرهاب يحتاج فقط لغباء مستديم، وسذاجة قوية وفشل في مجابهة الحياة، وقصور في الفهم والتحليل، وبذلك يبرز لنا الإرهاب حتى اصبح أسلوب صناعة الارهاب والموت أسهل بكثير من الحصول على رخصة القيادة.
 
ومن ذلك ما حدث وهز كنيسة مارجرجس بطنطا، حيث أودى تفجير إرهابي بعبوة ناسفة بحياة 27 شخصا وإصابة 78 آخرين، أما العملية الثانية فضربت محيط الكنيسة المرقسية بالإسكندرية عن طريق انتحاري، حيث أسفر ذلك على مقتل 16 مواطناً وإصابة 41 آخرين، فيما أعلنت وزارة الداخلية أن القتلى من بينهم 4 ضباط في الشرطة، وقد أعلن في وقت لاحق تنظيم «داعش» الارهابي عن مسؤوليته عن التفجيرين.
 
وبهذا يستمر هذا التنظيم في اثارة الذعر في مختلف ربوع المعمورة، مستفيدا من ضعاف النفوس لتصدير تفاهاته، وكذلك مستفيدا من سيولة مالية قوية لتسهيل أعماله الهدامة، وهو ما يطرح السؤال من يمول؟ ولمصلحة من؟ ولماذا منطقة الهلال الخصيب بالضبط؟ ولما ربط الاسلام بممارسات القتل والاقصاء البدائية؟ وكيف استطاع هذا التنظيم امتلاك السلاح والعتاد والتدريب؟ كل هذه الاسئلة تستلزم وجود اجابات شافية من أجل معرفة مصدر الشرور.
 
لكن هذا لا يمنع من ضرورة اتخاذ اجراءات قوية لمجابهة الارهاب والتطرف، وعليه يرى الائتلاف المدني الكويتي ضرورة اتخاذ الاجراءات التالية: على المستوى الأمني تجفيف ينابيع الارهابيين على شبكة الانترنت، ومنعهم من كسب نفوذ باستخدام المنتديات ومواقع التواصل الاجتماعي، أو عن طريق تكتيكات صارمة مثل حظر السفر ومصادرة جوازات السفر من اولئك الذين يقومون أو يحاولون القيام بأنشطة إرهابية أو تدريبية في الخارج وتكثيف التعاون الدولي سواء على المستوى الدولي او الإقليمي، مثلا كأن يتم التعاون داخل البلدان العربية على مستوى اجتماع وزراء الداخلية العرب تحت مظلة جامعة الدول العربية لتبادل المعلومات ورصد المشتبه فيهم وتتبعهم بالتعاون مع الشرطة الدولية، كما يمكن أن تشمل الاجراءات الامنية رصد العائدين او المدانين من المتطرفين، وحصولهم على التأهيل ضد التطرف، وبالتالي الاستفادة منهم كشهود ذوي مصداقية بإدانة وانتقاد وشجب شرور الارهاب والتطرف.
 
أما على المستوى التشريعي فيجب العمل على تغليظ عقوبة الإرهابيين والتمييز بين المحرضين والمغرر بهم، على أن تكون عقوبة المحرضين هي الإعدام، وهم أشد خطورة من تجار المخدرات، فإذا كان الأخيرون يفسدون جسد المجتمع فالأوائل يفسدون فكره ووعيه ويحولونه إلى قنبلة موقوتة تقتل الآمنين بدون تحديد لا الاشخاص ولا الأماكن ولا الزمان. 
 
أما على المستوى التربوي فيجب تعزيز فكرة المواطنة والانتماء ومفاهيم الدولة المدنية، وبأن الدين لله والوطن للجميع، وبأن النقاش والحوار، هو الأسلوب الوحيد لتقييم الأفكار وليس التصفية الجسدية.
 
إن الحرب التي نجابهها حالياً مع الارهاب هي حرب وجود، إما أن يقتلنا الإرهاب أو نسبقه في ذلك، وبالتالي سرعة التحرك تعتبر إجراء حاسماً في هذا الصراع، خصوصاً وأننا نحارب عدوا يوجد في كل زمان ومكان، من دون أوراق ثبوتية أو هوية.
 
وفي انتظار أن تعمل دول المنطقة على تعزيز الاجراءات وتنميتها بقيم التسامح، لا نملك إلا أن نقدم تعازينا القلبية للشهداء وعوائلهم وللجرحى وذويهم، وأن نقدم وردة أمل مشحونة بالكثير من الانسانية لما أمسى به عالمنا الذي يصطلح عليه خطأً بالمتحضر، نعزي كل فاقد ومفقود، ونعزي كذلك أنفسنا على عالم صار أشبه بمقصلة كره وعذاب.
والله من وراء القصد