أكدوا حاجة الكويت الماسة له خلال الوقت الحالي.. ومستقبلا

أكاديميون لـ«الكويتية»: حان الوقت للاتجاه نحو التعليم الفني


يلعب التعليم المهني والصناعي دوراً كبيراً في بناء الدول وتحقيق التنمية المستدامة فيها، ودفع عجلة الاقتصاد في هذه الدول نحول الأفضل، حيث ينقسم إلى ثلاث نوعيات «تجاري – زراعي – صناعي»، ويعد أساس التنمية التكنولوجية في المجتمعات الحديثة، وجميع الدول تقريباً في حاجة ماسة إلى خريجي هذا النوع من التعليم، ولكن على الرغم من ذلك توجد نظرة سلبية للتعليم الفني والتدريب المهني ومؤسساته، ويلتحق معظم من لم يستطع الاستمرار في التعليم العام بالمدارس الفنية ومراكز التدريب المهني.
 
ولكن على الرغم من ذلك، فلا يشعر كثيرون بأهمية هذا النوع من التعليم، ولكن قد تتغير وجهة نظرهم عندما يعلمون أنه يلعب دوراً كبيراً في عديد من الدول المتقدمة، بل إن بعضهم تعتمد عليه بشكل كبير لتحقيق التقدم في مختلف المجالات، ومثال على ذلك دولة بحجم الولايات المتحدة الأميركية، التي تولي هذا النوع من التعليم أهمية كبرى، حيث إنه يتم فيها اكتشاف الطلاب ذوي التوجه المهني في المرحلة الابتدائية في عمر 3 سنوات فقط، لذلك يوجد بالولايات المتحدة عدة برامج للتعليم الصناعي.
 
وعلى مستوى دولة الكويت فنجد أنها لا تختلف عن غيرها من الدول في مدى الحاجة لخريجي التعليم الفني بمختلف أنواعه، ولكنها أيضاً ليست ببعيدة عن الصعوبات التي تواجهه في الدول الأخرى أيضا، مثل النظرة المجتمعية السلبية بعض الشيء لهذا النوع من التعليم، إضافة إلى التوجه بشكل كبير نحو التعليم الأكاديمي.
 
«الكويتية» استطلعت آراء عدد من الأكاديميين في هذا الشأن، للوقوف على وضع التعليم الفني «الحرفي» في دولة الكويت، وما يحتاج إليه من دعم للوصول إلى نتاج جيد يعود بالنفع على سوق العمل الكويتي، ويساهم في تحقيق التنمية في دولة الكويت، حيث أكدوا على حاجة الكويت لهذا النوع من التعليم، وأنه حان الوقت للاتجاه نحوه، كما تطرقوا إلى العديد من النقاط المهمة، وكانت التفاصيل كالآتي:

في البداية أكد أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت د.شملان العيسى، أنه كان من المفترض أن ينظر باهتمام أكبر لهذا النوع من التعليم قبل 30 أو 40 سنة من الآن، مضيفاً: «التعليم الفني هو ما نحتاجه، الكويت كدولة مندول العالم الثالث تحتاج إلى التعليم الفني وليس الأكاديمي، لأن الكويت بلد صغير والتغيير فيها يسير بشكل سريع جدا، وتحتاج إلى فنيين سواء كانوا كهربائيين أو فنيين كمبيوتر أو غيرهم».
 
وأشار إلى أنه منذ إنشاء هذا النوع من التعليم في الكويت قبل ما يقارب 30 عاماً، كان من المفترض أن نصل الآن لسد الفراغ الوظيفي في هذا الأمر، ولكن مع الأسف شوهت الصورة لاعتبارات كثيرة، أهمها المشكلة الأولى وهي النظرة الدونية للعمل اليدوي، فكثير من الكويتيين ينظرون نظرة دونية للعمل الفني، ولذلك أصبح هناك عجز في هذا الجانب من المواطنين، وأصبح من يدخل منهم التخصصات الفنية، ينتهي به المطاف كموظف دولة يوقع فقط.
 
سلم الرواتب
وتابع العيسى: «أما المشكلة الثانية فهي أن سلم الرواتب في الدولة ساهم في إهمال التعليم الفني، لذلك من وجهة نظري، يجب أن تعطى رواتب أعلى للمؤهلات الفنية، لأننا في حاجة ماسة جداً للفنيين، ولأن اعتماد الكويت اليوم شبه مطلق على العمالة الأجنبية في هذا الجانب».
 
ولفت إلى أن هناك اهتماما أكثر من الدولة بالتعليم الأكاديمي «الثانوي العام»، أدى إلى ضعف الاهتمام بالتعليم الفني، مضيفاً: «المشكلة أيضاً أن التعليم الفني أصبح «غير فني»، بمعنى أننا إذا نظرنا إليه الآن ستجده أكاديميا، عبارة عن محاضرات عادية وقليل من الورش الفنية، في حين أن المدرسة الصناعية في السابق كانت تجعل الطلاب يمارسون أكثر العمل اليدوي، ولم تكن الدراسة الاكاديمية هي الغالبة، وبالتالي أصبح التعليم الفني الأن اسم وليس فعل.
 
وأشار إلى أن الحل يكون من خلال عودة المعاهد التطبيقية كما كانت عليه في السابق، خاصة وأن كثير من طلبة هذه المعاهد التحقت بها لأن درجاتهم لم تؤهلهم لدخول الجامعة، مضيفاً: «طلاب هذه المعاهد يصل إلى 60 ألف شخص، وإذا كانت مخرجاتهم سليمة بالفعل، لن نكون في حاجة لفنيين من الخارج، ولكننا نجد أن مخرجاتهم ليست فنيين حقيقيين».
 
خدمة الوطن
بدورها، قالت الأستاذة في كلية التربية الأساسية د.غنيمة الحيدر: «فيما يتعلق بالتعليم الفني والموازي والتطبيقي، فمن واقع عملي، أؤكد أن المجال مفتوح على مصراعيه لاستقبال كل الطلبات، وكل ما تحتاجه قطاعات الدولة المختلفة، والدولة مشكورة على توفير مبان جديدة ومراكز جديدة، ولكن يجب أن تكون هناك رغبة أكيدة للتعلم والتعليم لخدمة هذا الوطن».
 
وأضافت: أنا مع أن الاتجاه نحو التطور التكنولوجي الحديث، وعدم المكوث وفق الأساليب القديمة التي أكل عليها الزمن وشرب، ولكن يجب علينا أن نعمل جاهدين كي نغرز ثمارا نجنيها مستقبلاً في أبنائنا بأن يكونوا حرفيين، وعلينا أن ننبهم إلى أن الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) كان يعمل بيده».
 
وأكدت الحيدر على أهمية التعليم الفني والتطبيقي والموازي، لأنه يسد الثغرة في قطاعات الدولة، مضيفة: «نحن نحتاج إلى السباك والبناء والصباغ، ولذلك علينا أن نفتح جميع الأبواب ونطرق كل السبل في سبيل تحقيق ذلك».
 
وتابعت: «التعليم الفني والصناعي بدأ في الكويت منذ الخمسينيات، ولكن أنا كأكاديمية أتمنى أن ننتقل إلى التكنولوجيا الحديثة، وأن نساير العصر الذي نحن فيه، فالدولة تشجع على المشاركة في الدورات وورش العمل المختلفة، وعلينا أن نشجع المتميزين، وأن نجعل لهم يوما للمتميزين لأصحاب المواهب والمبدعين، وأن ننمي فيهم المواهب المكبوتة، كما يجب على الدولة في جميع قطاعاتها أن تركز على التعليم المهني والتطبيقي، لأننا نحتاج إليه في بناء هذا المجتمع الذي ننتمي إليه».
 
الدولة لم تقصر
وشددت على أن الدولة لم تقصر في دعم التعليم الفني، قائلة: «ولكن على الرغم من ذلك، نحن نطمع ونطمح في أن يكون العطاء أكثر من ذلك، وأن يكون هناك أخصائيون وأخصائيات لدراسة ماذا يحتاج إليه المجتمع الكويتي في هذا الجانب».
 
وحول نظرة المجتمع الدونية للتعليم الفني، قالت الحيدر: «أنا لا أوافق نظرة البعض للتعليم الفني بشكل متدن عن التعليم الأكاديمي، فالآن أصبح المهني والفني يربح من عمله أكثر من خريج التعليم الأكاديمي، وهذا ما نراه في الذين يتخرجون مثلا في تخصصات ميكانيكا السيارات أو ميكانيكا المصانع أو غيرهم، رواتبهم تفوق الكثير من خريجي التعليم الأكاديمي، وأعرف نماذج طلاب فتحت ورش وبدأت بشكل صغير، وهي الآن ورش ناجحة وكبرت وظهرت ثمار مجهوداتهم، لذلك أرى أنه ليس هناك أي نظرة دونية لأي عمل، ويجب علينا أن نرتفع بمستوانا الفكري والعقلي، وندرك أننا نحتاج إلى كل هذه التخصصات».
 
وأشارت إلى أن أول شيء يجب على الدولة فعله في هذا الجانب، هو أن تقدم مكافأة مادية أو حوافز أو غير ذلك، بما يتناسب مع هذه الكوكبة المتميزة، مع ضرورة الاهتمام بطريقة المنهج، وأسلوب التدريس، مضيفة: «يجب أن ندرك أيضاً أهمية مواكبة الحضارة، بحيث ألا يقتصر الأمر على «لحيم» وأمور بسيطة فقط، نود أن يكون هناك تعليم فني متقن حديث، وفق التكنولوجيا الحديثة التي اخترقت جميع مجالات العالم».
 
معايير المجتمع
من ناحيته، أكد استاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت د. غانم النجار، على أهمية التعليم الصناعي أو الفني، لافتاً إلى أن خطة التنمية التي كانت في الخمسينيات، وضعت لهذه المسألة تصوراً نتج عنه إنشاء الكلية الصناعية حينها، لإنتاج مجموعة من المتخصصين على مستوى العمل المهني، وعلى مستوى العمالة الوسطى، موضحاً أن هذا للأسف «ضاع» وسط تغير معايير المجتمع نفسه، بعد التركيز على التعليم الأكاديمي الذي يعطي درجة وظيفية أعلى، بينما التعليم الفني الصناعي كان ينظر له بأنه منتجاته تكون أقل درجة.
 
وأضاف: «نحن لدينا مشكلة في هذا النوع من العمالة، وحتى إن دخل الكويتيون في هذا الجانب، في نهاية الأمر تجد أغلبهم لا يعملون في هذا المجال، وإنما يستخرجون رخصة ويستأجرون عمالة يقومون بالعمل، فهذه المسألة تحتاج إلى مزيد من الاهتمام، ولكن لابد أن يكون هناك ربط بين المنظومة بالكامل، من حيث كيفية التعامل مع الخريجين في هذا النوع من التعليم، وكيفية جعلها منتجة مفيدة للمجتمع، فهذا الجانب مهم جدا».
 
وفيما يتعلق بالحلول لمشكلة النظرة الدونية لهذا النوع من التعليم، أوضح أنها مشكلة ذات بعد ثقافي، تتعلق بكيفية التعامل مع مهن معينة ونظرة التقليل منها، مضيفاً: «هذا أمر يحدث في فترة زمنية معينة ولكنه قابل للتغيير إذا كان هناك قرار سياسي ورصد ميزانيات، بحيث يحصل مثلا خريج الدبلوم العالي أو ما شابه الذي لم يحصل على البكالوريوس يحصل على مخصصات مالية عالية، بالإضافة إلى غير ذلك من المحفزات، وبالتالي هذا الأمر سيتغير بالتدريج خلال فترة زمنية معينة».
 
وضع التوظيف
وأضاف النجار: «مثال على ذلك ما يحصل مع وزارة النفط، التي أيضا لا تتطلب بعض المهام فيها شهادات عالية، لكن هم الآن يحصلون على رواتب عالية، وبالتالي أصبحت النظرة لهم تتغير مع الوقت، فالنظرة الآن هي عائق، ومن وجهة نظري أن من أسبابها الوضع الحالي للتوظيف، وإذا كان هناك تركيز رفع المميزات المالية، وفي نفس الوقت زيادة كفاءة المؤسسات التعليمية القائمة على التدريس والتدريب، سيختلف الأمر».
 
وشدد على أهمية الاهتمام بالمؤسسات التعليمية في هذا النوع من التعليم، قائلاً: «إذا كانت المؤسسات التعليمية القائمة على هذا النوع من التعليم غير جيدة، فإن الإنتاج لن يكون مفيداً، ولن تحصل على الكفاءات العالية التي تغطي الفراغات الموجودة في السوق».
 
واختتم قائلاً: «والخلاصة أننا نجد أن هناك مجموعة من العناصر المتعلقة بهذا الجانب، أهمها كفاءة المؤسسة التي ستقوم بتدريب وتدريس هؤلاء الأشخاص، ورفع الدعم المقابل المادي سواء على مستوى الراتب الأساسي أو البدلات والحوافز، وإذا تم النظر إلى هذه العناصر، سيكون هناك تغيير مع الوقت في قضية النظرة الدونية، وبالتالي إذا تغيرت هذه النظرة ستظهر نتائج هذا المجال».
 
عمالة متخصصة
من جانبها، شددت عضو هيئة التدريس في جامعة الكويت قسم علم النفس بكلية العلوم الاجتماعية د.أمثال الحويلة، على أن الكويت في حاجة حالها حال بقية الدول المتقدمة والنامية والمستويات العليا لهذه لمخرجات هذا النوع من التعليم، مؤكدة أنه لا توجد دولة في العالم لا تحتاج إلي هذه النوعية من الحرف، فالجميع يحتاج في بيته إلى النجار والسباك والصباغ والميكانيكي وغيرهم.
 
وأضافت: «نحن بحاجة إلى أيدي عاملة فنية كويتية متخصصة، وخاصة أن هذا المجال أصبح رائداً في العالم ككل، وأصبح له مجال أكاديمي دراسي تدريبي متخصص، جعله يتميز عن العمالة التي تكتسب المهنة بمجرد الخبرة العادية، ولكن أصبح خريجوه يكتسبون مهاراته عبر خبرة فنية علمية أكاديمية تخصصية، لذلك فالبلد لا يحتاج فقط إلى الشهادات العليا، وإنما يحتاج أيضاً إلى تخصصات فنية مختلفة في كل قطاعات الدولة، فالكويت «تبي» أبناء مخلصين في هذا المجال».
 
وذكرت أن النظرة بانتقاص لهذا النوع من التعليم تحتاج إلى تغيير ثقافة مجتمع، قائلة: «لابد من أن نغير من ثقافة مجتمعنا، كثير من الناس تحط من قدر هذه الوظائف الفنية وترفع من قدر الشهادات العليا، لدرجة أننا أصبحنا نجد أغلب الكويتيين يتجهون إلى الشهادات الأكاديمية والتعليمية، ويتركون الحرف الفنية التي هي أهم، والتي هي البنية التحتية الأساسية لبناء هذا الوطن».

تغيير ثقافة المجتمع والمواطنين
أكدت عضو هيئة التدريس في جامعة الكويت قسم علم النفس بكلية العلوم الاجتماعية د.أمثال الحويلة أن على الدولة دوراً كبيراً في إيجاد هذه النوعية من الخريجين، وتشجيع هذه الحرف، ووضع كوادر ومشاريع صغيرة وكبيرة لهم، فضلاً عن وضع عوامل جذب لهذه الوظائف الفنية، ووضع كوادر قوية لتحفيزهم ودفعهم لهذا الاتجاه، وتحفيز المواطنين وتغيير ثقافتهم تجاه هذه الوظائف، بداية من المدارس ثم إلى ثقافة المجتمع العامة.