اقتراف «الفهم»


ثمة متاجرون بالعقول في كل زمان، لا يعنيهم إلا أن يجعلوك أسيراً لأفكارهم ما حييت، دائراً في حلقاتهم المفرغة لا تقوى على الخروج منها، فتلك هي تجارتهم التي ينصبونها في الأسواق، وعليك يقتاتون، ومنك يربحون.
 
هؤلاء هم قادة التطرف وزبانية الاستبداد بالرأي، هؤلاء هم أهل الفتن وزعماء العنصرية عبر التاريخ، هؤلاء هم المنكرون لفضل الأوطان، والممزقون لنسيج الشعوب ولُحمته.
 
هؤلاء هم السائرون عكس حركة التاريخ، ظانين أنهم هم المحتكرون للحقيقة الأبدية المطلقة والممتثلون لها.
 
المتطرفون في هذا الزمان هم الكيان الذي يختصر كل تلك النماذج، فهم الذين يعرفون وأنت لا تعرف، وهم الذين يفكرون وأنت لا عقل لك، وهم الذين يدبرون وأنت ضعيف الحيلة، إذا قالوا رأياً في الدين فهم الناطقون بأمر الله، الفاهمون وحدهم لأحكامه، وإذا ما احتالوا حيلة فهم الأدرى بشؤون الناس، وإذا ما ارتكبوا الجرائم فالباعث لديهم هو دستور ومنهج!
لقد لاقت بلادنا- وإن شئت فقل بلاد العالم كله- ويلات ظنونهم وأفكارهم وأفعالهم.
 
هؤلاء ليس لهم اسم واحد، ولا وطن واحد، ولا زمان ثابت، فهم الشر المتمثل في كيانات مجهولة، وهم الأفكار الشاذة المتوارثة عبر أجيال، وهم المنطق الرديء والمصلحة العمياء التي تستبيح القتل وتنتهك الحرمات.
 
لقد أغلقوا كل باب دونهم، وتمترسوا خلف أفكارهم العطبة، فلا حوار ولا تواصل. فهم لا يريدونك تمارس فريضة التفكير التي أمرنا بها الله تعالى في محكم التنزيل في قوله "أفلا يتفكرون" و"أفلا يتدبرون" و"أفلا يعقلون"، وكأنك تقترف إثماً حين تفكر وحين تعقل وحين تفهم.
 
لقد سئمت بلادنا وشعوبنا من لي الحقائق والالتفاف حول المعاني والقيم الأخلاقية، وسئمت من القتل بلا ذنب أو جريرة ومن الدم المستباح بلا سبب.
في ظني- أننا نواجه الآن مصيراً لا ينبغي أن نستسلم له إلا بتحفيز العقل على أن يفكر ويفكر، وأن يقرأ تجارب الأمم والشعوب عبر الأزمان الماضية كي يتعلم منها ويبحث وراء تلك الأفكار الملوثة، كيف تكونت، وكيف تنامت إلى هذا الحد المفزع؟
 
كل يوم يمضي يترك لنا بصمته على صفحة التاريخ، بصمة تنطق بكلمة واحدة، أن لهذا العالم كله مصير واحد، وأن بقاء الأوطان وحياة الشعوب رهينة بوعيهم وبتلاحمهم وبتماسكهم.. رهينة بقوتهم.
 
إن هذه الأمة لديها ثروة كبيرة، ثروة لا تفنى أبداً، هي ميراثها الفكري والأخلاقي والإنساني لا تقوى بدونه، ولا تستمر إلا به، وهو السبيل الوحيد لمواجهة هذا الطوفان الهمجي اللاأخلاقي.
 
كل ما نحتاج إليه هو أن نُصهِر تلك المفاهيم في مشروع كبير، وأن نعمل فيه جميعاً كي نستطيع أن نواجه هذا المصير المجهول.. كلنا معاً.