المارد الذي قيل أن الله لا يغرقه.. فسحقه جند من جنود الله


تقرير: أحمد عفيفي 
 
ترقب العالم بلهفة ذلك الحدث التاريخي، وهو قيام السفينة تيتانيك بأولى رحلاتها عبر المحيط  الاطلسي (الاطلنطي) من (كوين ستاون) انجلترا الى (نيويورك) الولايات المتحدة الامريكية  في 10 ابريل 1912م .
 
هل يقدر الله أن يغرق هذه السفينة؟، قالها ملاح متغطرس وهو ينظر مبهورا إلى ما صنعت يداه، معجزة العصر التى أشادت بها الصحف مؤكدة أنه إنجاز رائع حققه الإنسان، والتى قيل أنها «لا تغرق»، وها هو الوقت قد حان ليشاهد العالم بنفسه تلك الأسطورة وذلك الإنجاز الرائع. 
 
فعلى رصيف ميناء كوين ستاون كان الاحتفال بالغا بهذا الحدث الكبير، فأصطف آلآف الناس من المودعين وغير المودعين يتأملون بإعجاب السفينة العملاقة وهي راسية في الميناء في قوة وشموخ، والمسافرون وهم يتجهون اليها في سعادة وكبرياء.
 
ضمتْ السفينة على ظهرها نخبة من اثرياء انكلترا وأمريكا، ومن ضمن هؤلاء الاثرياء:الكونيل جون جاكوب استورالبالغ من العمر47 عام وهو حفيد عائلة استورالانكليزيةالشهيرة بتجارة الفراء، والثري بنجامين جاجينهيم سليل عائلة جاجينهيم الامريكية ذات النشاط التجاري الضخم في استخراج المعادن،والثري المعروف ازيدور ستروس وزوجته وهو صاحب اكبر مجمع تجاري في العالم،وهناك مجموعة اخرى اقل ثراءا ومنهم آرثر ريسون وجون ثاير مساعد رئيس هيئة السكك الحديدية بولاية بنسلفانيا وتشارلز هايز رئيس مجموعة الشاحنات الكندية
وهاري مولسن سليل إحدى العائلات الثرية في مونتريال والتي تعمل في مجال البنوك، وسير كوزمو وزوجته ليدي دوف جوردن وهو أمير انكليزي ينتمي للعائلة المالكة، أما زوجته ليدي فهي مصممة أزياء شهيرة وصاحبة اكبر محلات للازياء في فرنسا والولايات المتحدة.
 
وبعضهم تخلفوا عن السفر لسوء حالتهم الصحية .
 
وضمتْ ايضا السفينة تايتانك في درجتها الثالثة مجموعة من الطبقات المتوسطة والفقيرة في انكلترا والذين جمعوا كل ما لديهم من اموال للسفر على هذه السفينة العجيبة، وليس فقط من أجل المتعة ولكن ايضا للبحث عن موطن آخر قد يتوفر فيه لهم مستوى افضل من المعيشة مما يلقونه في موطنهم الأصلي.
 
وكان وجود هولاء الفقراء شبه معزول عن طبقة الاثرياء التي سكنت في السفينة كما سكنت في المجتمع أي الطبقة العليا بأجنحتها الممتدة الواسعة، بينما سكنت الطبقة الفقيرة فيالطبقة السفلى من السفينة بحجراتها الضيقة والقريبة من الضوضاء والضجيج.
 
وكان ايضا على متن السفينة مجموعة من العرب ومنهم سيدة من لبنان (حردين) ومعها زوجها (اي بعد ثلاثة اسابيع من زواجهما) حيث نجت هي فقط من الحادث.
 
موكب السعادة:
بدأت السفينة تايتانك رحلتها بالفرح والأمنيات الحلوة استمرت رحلتها عبر المحيط على هذا النحو اربعة أيام كاملة.
 
كانت السفينة تايتانك قد قطعت شوطا كبيرا من رحلتها الاولى بنجاح وهدوء تام أثبتت فيها جدارتها الفائقة في خوض البحار، وقد ادى هذا الى زيادة سرعة السفينة بدرجة كبيرة واطلاق العنان لها بعد ان تأكد لطاقمها جدراته في خوض البحرخلال الخمسمائة ميل السابقة.
 
اما قبطان السفينة كابتن إدوارد سميث والبالغ من العمر 62 عام فقد كان من اسعد الناس في هذه الرحلة الاخيرة له والتي يختتم بها ما يزيد على ثلاثين عاما من العمل في أعالي البحار، والذي شهد له الكثيرونخلال هذه الفترة بالنجاح والمهارة الفائقة.
 
الضخامة:
لم يكن اسم التيتانيك والذى يعنى المارد، اسما مبالغا فيه فى تسمية تلك السفينة فقد اتصفت بثلاث صفات لم تتوفر بغيرها من السفن وهى الضخامة- عدم القابلية للغرق – الفخامة، أما عن حجم السفينة العملاقة فقد بلغ وزنها 52310 طنا وبلغ طولها 882 قدما، وبلغ عرضها 94 قدما، ويمكن ان يتصور الانسان بأن السفينة تعادل في ارتفاعها ارتفاع مبنى مكون من أحد عشر طابقا علاوة على طولها الكبير الذي قد يعادل اربع مجموعات من الابنية المتجاورة.
 
عدم القابلية على الغرق:
التايتانك غير قابلة للغرق في نظرمن صمموها فالسفينة ليست كغيرها من السفن حيث تنفرد بإحتوائها على قاعين يمتد احدهما عبرالآخر كما يتكون الجزء السفلي من السفينة من 16 مقصورة لا يمكن ان ينفذ منها الماء وحتى لو غمرت المياه على سبيل الافتراض على احد هذه الاقسام فانه يمكن لقائد السفينة وبمنتهى السهولة ان يحجز المياه داخل هذا الجزء بمفرده ويمنعها من غمر باقي الاجزاء.
 
الفخامة:
تمتعت التايتانك بدرجة عالية من الفخامة لم تتوفر من قبل لأي سفينة ركاب، ويمكن ان يتصور الانسان مدى فخامتها وروعتها إذا عرف ان ثمن التذكرة في عام 1912م الآتي:
الدرجة الاولى: 10,350$ (أفضل جناح في الدرجة الاولى)
الدرجة الثانية: 1,700$
الدرجة الثالثة: 30$
 
وقوع الحادث:
غرقت التايتانك في اول رحلتها من انكلترا الى نيويورك بإصطدامها بجبل جليدي عند الموقع41 44ْ شمالا و49 57ْ غربا وكان على متنها 2201 راكبا، 711 شخص نجوا، بينما 1490 شخص لقوا حتفهم. لحسن الحظ التايتانك لم يكن على متنها في ذلك الوقت حمولتها القصوى وهي 3547 شخص.
 
الجبل الجليدي الذي ضربه التايتانك كان صغيرا جدا بالمقارنة مع الجبال الجليدية الاخرى، والناجون من الحادث  خمنوا بأن ارتفاعه كان لا يتجاوز حوالي 100 قدم فوق الماء، مما يعني بأن الجبل الجليدي يمتد 500 قدم تحت سطح الماء.
 
رسائل الانذار:
في 14 ابريل (نيسان) عام 1912 م وهو اليوم الخامس من الرحلة بدأت المخاطر تتربص للسفينة العملاقة ومن عليها من الركاب، فمنذ ظهيرة ذلك اليوم حتى آخره تلقت حجرة اللاسلكي بالسفينة رسائل عديدة من بعض السفن المارة بالمحيط ومن وحدات الحرس البحري تشير الى اقتراب السفينة من الدخول في منطقة مياه جليدية  مقابلة للساحل الشرقي لكندا.
 
وعلى الرغم من هذه الرسائل العديدة التي تلقتها السفينة لم يبدأ أحد من طاقمها، وعلى الاخص كابتن سميث أي اهتمام حتى ان عامل اللاسلكي قد تلقى بعض الرسائل ولم يقم بإبلاغها الى طاقم السفينة لعدم اكتراثهم بها.
 
لكن بعد حلول الظلام وبالتحديد في الساعة التاسعة مساءا من نفس هذا اليوم، بدأت درجة الحرارة بالانخفاض بشكل ملحوظ مما جعل كابتن سميث يدرك ان السفينة تقترب بالفعل من منطقة الجليد، لكنه على الرغم من ذلك لم يبد اهتماما كبيرا لهذا الامر فكل ما قام به هو اعطاء الأوامر بتفقد خزانات المياه وبتشديد الرقابة والإبلاغ عن أي كتل ثلجية ضخمة قد تتراءى له، ثم دخل كابتن سميث حجرته لينام.
 
في الحقيقة ان كابتن سميث رغم خبرته الطويلة قد وقع في خطأ كبير ربما لثقته البالغة بسفينته العملاقة وخبرته الطويلة ولم يفكر في تقليل سرعة السفينة، ونسى ايضا ان كتل الجليد الضخمة قد تفاجئ سفينته العملاقة في لحظات فقد كانت الرؤية في هذه الليلة غير قمرية غاية في الصعوبة، حتى ان الافق لم يكن واضحا على الاطلاق.
 
جبل الجليد:
في حوالي منتصف نفس الليلة فجأة رأى فليت مراقب السفينة خيالا مظلما يقع مباشرة في طريق السفينة، وفي ثواني معدودة بدأ هذا الخيال يزداد بشكل ملحوظ حتى تمكن فليت من تحديده إنه جبل جليدي، فقام فليت بسرعة  بإطلاق جرس الانذار عدة مرات لإيقاظ طاقم السفينة كما قام بالاتصال بالضابط الخفر(المناوب) واخبره بوجود جبل من الثلج يقع مباشرة في اتجاه السفينة حيث قام بسرعة وأمر بتغير اتجاه السفينة ثم ايقاف المحركات.
 
ولكن لم يكن هناك اي فرصة لتجنب الاصطدام، فأرتطم جبل الثلج بجانب السفينة ومن الغريب هذا التصادم لم يكن ملحوظا او مسموعا بدرجة واضحة حتى ان باقي أفراد طاقم السفينة قد ظنوا انهم نجحوا في تغيير مسار السفينة وتجنب الاصطدام، ومع حدوث هذا التصادم تساقطت كتل كبيرة من الثلج على ظهر السفينة، وعلى الرغم من ذلك لم تهتز السفينة إلا هزة بسيطة كانت غير ملحوظة لكنها انزلقت قليلا من الخلف وبعد عدة دقائق توقفت السفينة تماما عن الحركة. 
 
وعندما توقفت السفينة بعد حدوث التصادم اكتشف الفنيين حدوث كسربجانب السفينة تسللت منه المياه وغمرت خمسة أقسام من الستة عشر قسما بأسفل السفينة، كما توقفت الغلايات عن العمل وامتلات ايضا حجرة البريد التي طفت فوقها عشرات الخطابات مما يشير الى كارثة وان غرق السفينة امر محتم.
 
عدم الاهتمام بالحدث:
لم يشعر معظم ركاب السفينة بأن سفينتهم العملاقة قد اصطدمت بأي شئ، بالرغم من ان الاصطدام كان غير مسموعا بدرجة كافية، وكان معظم المسافرين داخل حجراتهم بل ان الكثيرين منهم قد استغرقوا في النوم، ولم يبقى إلا القليل والذين يدخنون السكاير،فقام البعض منهم واتجها الى ظهر السفينة لمعرفة سبب هذا الصوت الخافت، فلم يبالوا إلا بمشاهدة جبل الثلج والقطع المتناثرة منه على ظهر السفينة ثم عادوا ولم يعطوا للحادث اهمية.
 
كذلك ذكر احد الضباط على السفينة والذي كان نائما، ان كل ما احس به هو حدوث اهتزاز بسيط بجدار السفينة، لكنه عاد الى النوم مرة اخرى.
 
بحيث ان الصوت كان مسموعا كأن السفينة مرت على ارض من المرمر أو كصوت صادر عن تمزيق قطعة القماش.
 
إخلاء السفينة:
قام الكابتن سميث بإعطاء الاوامر في الحال أي بإيقاظ جميع الركاب لإخلاء السفينة واعداد قوارب النجاة كما أمر بإرسال نداء الاغاثة.
ولكن كانت هناك مشكلة اخرى واجهت الكابتن، فعدد الركاب هو2201 راكبا، بينما عدد قوارب النجاة الموجودة في السفينة لا تكفي حمولتها جميعا إلا لنقل 1100 راكبا، وخرجوا ركاب السفينة من غرفهم وبدون اهتمام حتى بعضهم خرح يغني ويمزح يعتقدون انهم على ظهر السفينة العملاقة التي لا يمكن ان تغرق.
وقام البحارة بإنزال قوارب النجاة ولا يوجد وقت للتأخير والمماطلة بالرغم من رفض بعض الركاب الى انزال .
 
قوارب النجاة بدأ ركاب السفينة والذين ظهر بعضهم بثياب النوم يرتدون سترات النجاة، واخذوا يصعدون قوارب النجاة تحت تعليمات الكابتن سميث، والذي أمر بإخلاء السفينة من النساء والاطفال أولا، على ان يذهب الرجال بعد ذلك الى قوارب النجاة إذا توفر لهم اماكن بها.
وكان ركاب الدرجة الثالثة من الفقراء هم آخر من وصل الى قوارب النجاة حيث يقيمون بالحجرات السفلى من السفينة، بل ان بعضهم ظل منتظرا بأسفل السفينة.
 
بريق الامل:
في نفس الوقت بدأ عامل اللاسلكي بالسفينة يرسل نداءات متكررة للاغاثة، وان كانت بعض السفن قد التقطت هذه النداءات إلا انها كانت لاتزال بعيدة جدا عن السفينة تايتانك وكانت كل هذه النداءات بدون جدوى.
 
ولكن ظهر للسفينة امل جديد، على بعد عشرة أميال كانت هناك سفينة اخرى هي سفينة كاليفورنيان، والتي كان من الممكن ان تصل الى السفينة المنكوبة خلال دقائق، ولكن لسوء الحظ لم يصل الى السفينة كاليفورنيان اي نداء للاغاثة لأن في هذا الوقت المتأخر من الليل قام عامل اللاسلكي في كاليفورنيان بإغلاق جهاز الاتصال.
 
وبعد عدة محاولات يائسة قاموا ضباط السفينة تايتانك بمحاولة اخرى لشد انتباه السفينة كاليفورنيان، وقاموا بإطلاق عدة صواريخ نارية في السماء وانطلقت معهما الهتافات والنداءات المتكررة ولكن على الرغم من ذلك لم تتخذ السفينة كاليفورنيان اي موقف تجاه هذه الاشارات الضوئية وذهبت في طريقها غير مهتمة بهده الاشارات.
 
شبح الموت:
استمر الحال كما هو عليه بظهر السفينة، الموسيقى تعزف والسفينة تنخفض تدريجيا والخوف يزداد ويزداد مع اقتراب ظهر السفينة من سطح المياه، والذي لا يزال يحمل مئات الركاب والذين لم يتم بعد إخلائهم منها، فبدأ شبح الموت يخيم على الجميع، فقد اصبح حقيقة واقعية خاصة بعد نفاذ معظم قوارب النجاة، فلم يعد يبقى غير قاربين فإما الموت غرقا مع السفينة وإما القفزالى المياه الجليدية الكفيلة بإحداث صدمة عصبية مميتة بمجرد النزول اليها.
 
وأمام شبح الموت الذي خيم على السفينة بأكملها برزت بعض المواقف الإنسانية الجميلة والتي عبرت عن الوفاء في اسمى صوره، ولكن هناك ايضا مواقف غريبة والمثيرة للدهشة.
 
من ضمن هذه المواقف الانسانية الجميلة التي برزت أمام شبح الموت، هو تشبث بعض الزوجات بأزواجهن ورفضهم مغادرة السفينة عند مجئ دورهن في الانتقال الى قوارب النجاة وكان اروع مثل شهدته السفينة لهذا الوفاء العظيم، هو ما عبرت عنه مسز ايدا ستروس زوجة الثري الكبير ايزدور ستروس، والتي عادت مرة اخرى الى ظهر السفينة بعد دخولها الى قارب النجاة، لتحضن زوجها وهي تبكي قائلة: لقد عشنا معا سنوات طويلة لا يمكن ان ارحل من دونك، سوف امضي حيث تمضي، وذهب الاثنان معا ليجلسا في ركن هادئ بعيد واخذ يراقبان ما يجري حولهما في انتظار القرار الاخير لنهاية مصيرهما المشترك.
 
السيكارة لها صورة غريبة وشاذة، ففي حجرة التدخين بالدرجة الاولى جلس ميجور اركيبولد بوت وثلاثة آخرون يدخنون ويتجاذبون اطراف الحديث غير مكترثين بما يجري حولهم، بالرغم من أن السفينة في ذلك الوقت قد انخفضت بدرجة كبيرة الى سطح الماء.
 
موقف آخر في غاية الغرابة، ذهب المليونير بنجامين جاجنيهيم الذي اشتهر بأناقته الى غرفته وبدل سترة النجاة التي كان يرتديها بأخرى أنيقة خاصة بالحفلاة الرسمية، وعندما أنهى زينته وأناقته على أكمل وجه، توجه الى ظهر السفينة ليعلن امام الجميع قائلا: ما دام الهلاك لا مفر منه سأموت جنتلمان كما عشت جنتلمان.
 
وبمرور الوقت تم امتلاء كل قوارب النجاة وانزالها الى المياه من على ظهر السفينة تايتانك والمئات من المسافرين والذين بقوا على ظهر السفينة لا يعرفون ماذا يفعلون؟ فلجئوا جميعا في فزع وخوف الى مقدمة السفينة المرتفعة في الهواء عن سطح الماء، فلم يبقى أمامهم إلا دقائق وتغوص بهم السفينة بأكملها في مياه المحيط وأمام هذا الفزع الرهيب اضطر بعض الركاب الى الوثب في المياه الجليدية لعلهم يلحقون بقوارب النجاة، ومن المؤسف ان معظمهم قد مات ولم ينج منهم إلا القليل والذين استطاعوا ان يصلوا الى قوارب النجاة.
 
رحلة قوارب النجاة وسط المياه الجليدية:
كانت الدهشة على وجوه ركاب القوارب وهم يتأملون السفينة العملاقة وهي تغوص في المياه وسط نغمات الموسيقى وسرعان ما تبدلت نغمات الموسيقى بنغمات اخرى حزينة والى ان توقفت تماما بعد ان غاص طرف السفينة بأكمله تحت الماء، وصعد الطرف الآخر الى السماء حتى كاد يلامس النجوم بإرتفاعه الشاهق الذي انبعث منه انوار السفينة الزاهية لتضئ الليل من حوله، ودوى في الفضاء صوت الزئير المروع والسفينة تشق طريقها الى القاع لم تمضي إلا لحظات حتى اختفت السفينة تماما تحت سطح المياه.
 
ففي الساعة الثانية وعشرين دقيقة بعد منتصف ليلة الاحد الموافق 15 أبريل (نيسان)، كانت السفينة تايتانك قد اختفت تماما عن سطح المياه هي ومن عليها من مئات الركاب وبدأت قوارب النجاة تشق طريقها عبر المحيط في اتجاهات مختلفة  ودون هدف منشود وسط ظلام الليل والبرد القارص، ولم يكن هناك ما يؤنسها في هذا الليل المخيف إلا بعض النجوم التي تناثرت في السماء هنا هناك والتي لم تضئ بنورها إلا القليل من هذا الظلام الحالك. واشتد البرد بركاب القوارب فحاولوا عبثا ان يدفئوا انفسهم بما استطاعوا أن ينجوا به من السفينة من فراء وارواب خاصة وان البعض منهم قد هرع الى قارب النجاة بملابس النوم فلم يسعفه الوقت لالتقاط أي شئ وكان اتعس هؤلاء في هذا البرد القارص هم من قفزوا من السفينة الى المياه الجليدية وسبحوا في الماء حتى وصلوا الى القوارب البعض منهم، وأمتلأ شعرهم وملابسهم بقطع الجليد التي علقت بهم اثناء السباحة، ولم يحالف التوفيق احد قوارب النجاة الممتلئة والبالغ عدد الركاب ثلاثين راكبا في الاحتفاظ بقاربهم من الغرق، فحاولوا جاهدين الوقوف على جانبي القارب حتى يحتفظوا به عائما على سطح المياه الجليدية، وبالرغم من ذلك  لم يستطيع البعض الاحتفاظ بتوازنه فأنقلب في المياه الجليدية.
 
السفينة كارباثيا:
قضى ركاب القوارب الناجون من الهلاك ساعات طويلة عبر مياه المحيط وسط الليل الحالك والبرد القارص سابحين بقواربهم الى المجهول، وكلهم يأس وحيرة في هذه الوحدة القاسية عبر هذا المحيط الواسع الممتد، فمرت بهم ساعات كأنها سنوات طويلة فلم يكن هناك اي امل في النجاة.
 
وظهرت فجأة أنوار مضيئة تقترب من بعيد ناحية القوارب، لقد كانت انوار السفينة كارباثيا والتي كانت تسيرفي رحلة من رحلاتها عبر المحيط وكانت على بعد حوالي 58 ميلا من القوارب.
 
ويا لها من سعادة غامرة أحس بها ركاب القوارب حين لمحوا تلك السفينة من بعيد، فراحوا يشدون انتباهها لهم بشتى الطرق، فأخذوا يصفقون ويهللون ويلوحون كما استطاع ان يشد انتباهها بالأنوار المضيئة وقاموا بإشعال النيران بمناديل اليد والأوراق وغيرها.
 
ونجحت المحاولات العديدة التي قام بها ركاب القوارب لشد انتباه السفينة كارباثيا والتي غيرت من طريقها وسارت في اتجاه القوارب، ومع بداية ظهور الشمس وقدوم يوم جديد كانت السفينة قد وصلت الى القوارب لتبدأ في اغاثتها.
 
كان مجئ سفينة الاغاثة لركاب هذه القوارب هو منتهى املهم، فتعلقت بها انظارهم جميعا في فرحة وسعادة غامرة وبدأت السفينة بنقل الركاب الى سطحها قاربا بعد الآخر حتى تم اغاثة جميع الركاب.
 
حقائق غريبة:
*قبطان السفينة سميث كان يخطط للتقاعد بعد رحلة التايتانك الاولى.
*كان يمكن سماع صافرات التايتانك من مسافة 11 ميل.
*حملت التايتانك  900 طن من الامتعة والبضائع.
*استهلاك التايتانك اليومي من ماء الشرب 14,000 غالون.
*إستهلاك التايتانك اليومي من الفحم 825 طن.
*صممت التايتانك لحمل 48 قارب نجاة.
*حملت التايتانك 20 قارب نجاة  ، وذلك لافساح المجال لرؤية المحيط بصورة افضل للركاب.
*حملت التايتانك 3560 سترة نجاة وقد صنعت من الجنفاص والفلين.